ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا على طَاعَتِكَ )
ولا يَنفعُ عندَ اللهِ إلا القلبُ السليمُ: ( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) الشعراء89 ( الشعراء: 88/89) .
يقولُ الحافظُ ابنُ رَجبٍ في جامعِ العُلُومِ والحِكَمِ ( والقَلبُ السَّلِيمُ هو السَّالِمُ مِنَ الآفاتِ ، والمَكْرُوهَاتِ) .
وقال ابنُ القَيمِ - رَحِمَهُ اللهُ: وقد اخْتَلَفَتِ عِبَاراتُ النَّاسِ في مَعْنَى القّلْبِ السَّلِيْمِ ، والأَمْرِ الجَامِعِ لذلك أنَّه الذي قد سَلِمَ مِنْ كُلِّ شَهْوَةٍ تُخَالِفُ أمرَ اللهِ ونَهْيَهُ ، ومِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خَبَرَهُ ، فَسَلِمَ مِنْ عُبُودِيَّةِ مَا سِوَاهُ ، وسَلِمَ مِنْ تَحْكِيمِ غَيْرِ رَسُولِهِ ، فَسَلِمَ مِنْ مَحَبَةِ غَيْرِ اللهِ مَعَهُ ، ومِنْ خَوْفِهِ ، ورَجَائِهِ ، والتَّوَكُلِ عَليهِ ، والإنابةِ إليهِ ، والذُّلِ له ، وإيثارِ مَرْضَاتِهِ في كُلِّ حالٍ ، والتَباعُدِ عَنْ سُخطِهِ بِكُلِّ طَرِيْقٍ ، وهذا هو حَقيقةُ العُبُودِيَّةِ، التي لا تَصْلُحُ إلا للهِ ، سُبْحَانَهُ وتَعالى وحْدَهُ ، فالقَلْبُ السَّلِيْمُ هُوَ الذِّيْ سَلِمَ مِنْ أنْ يَكونَ لِغَيْرِ اللهِ فِيْهِ شِرْكٌ بِوَجْهٍ مَّا ..
والقلوبُ - أيُّهَا المُحِبُّ - أربعةٌ:
1-قَلْبٌ تَقِيٌ ، نَقِيٌ فِيْه سِرَاجٌ مُنِيْرٌ، قَلْبٌ مَحْشُوٌ بِالإِيْمَانِ، ومَلِئْ بِالنُّوْرِ الإيْمَانِيِّ . وقَدْ انْقَشَعَتْ عَنْهُ حُجُبُ الهَوَىْ والشَّهَوَاتِ، وأقلعتْ عنه تلك الظُلُمَاتُ ، مَلِئٌ بالإشراقِ ، ولو اقتربَ منه الشَّيْطانُ لَحَرَقَهُ ، وهذا هو قَلْبُ المُؤْمِنِ.
2-وقَلْبٌ أَغْلَفُ مُظْلِمٌ ؛ وذلك قلبُ الكَافِرِ: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ) (البقرة: 88) .
وهذا القَلْبُ قدْ اسْتَرَاحَ الشَّيْطانُ مِنْ إلقاءِ الوَسَاِوسِ فِيْهِ. ولِهذا قِيْلَ لأبْنِ عَبَاسٍ - رَضيَ اللهُ عنهما-: ( أنّ اليهودَ تَزْعَمُ أنَّها لا تُوَسوِسُ في صَلاتِهَا) فقال: ( ومَا يَصْنَعُ الشَّيْطَانُ بالقَلْبِ الخَرِبِ ؟ !! .
3-وقلبٌ دَخَلَهُ نُورُ الإيْمَانِ ، وأُلقِىَ النُّورُ فيْهِ ، ولَكِنْ عليه ظُلْمَةُ الشَّهَوَاتِ ، وعَوَاصِفُ مِنَ الهَوَىْ ، وللشَّيْطَانِ عَلَيْهِ إِقْبَالٌ وإدبارٌ ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّيْطَانِ سِجَالٌ ، فهو لِما غَلَبَ عليه مِنْهُما، وقد قال اللهُ- تعالى - في أقوامٍ: ( هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ) (( آل عمران:167 ) ).
4-وقَلْبٌ مُرْتَكِسٌ مَنْكُوسُ ؛ فذلك قلبُ المُنافِقِ ، عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ، وأبْصَرَ ثُمَّ عَمِيَ قال تعالى: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) (النساء:88 ) .
وفي القَلبِ قُوَّتَانِ: قُوَّةُ العِلْمِ في إدراكِ الحَقِّ ، ومَعْرِفتِهِ والتَّمْيِيْزِ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَاطِلِ ، وقُوَّةُ الإرادةِ والمَحَبَّةِ في طَلَبِ الحَقِّ ومَحَبَتِه، وإيثارِهِ على البَاطِلِ ، فمنْ لَمْ يَعرِفْ الحَقَّ فهُو ضَالٌ ، ومَنْ عَرَفَهُ وآثَرَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ ، ومَنْ عَرَفَهُ وَاتبَعَهُ فَهُوَ المُنْعَمُ عَلَيْهِ السَّالِكُ صِرَاطَ رَبِّهِ المُسْتَقِيمِ ، يقولُ ابْنُ القَيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ -:"وهذا مَوْضِعٌ لا يَفْهَمُهُ إلا الألبّاءُ مَنَ النَّاسِ، والعُقَلاءِ ، ولا يَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ إلا أهلُ الهِمَمِ العَالِيَةِ ، والنُّفُوْسِ الأَبِيَّةِ الزَّكِيَةِ".
إذا كان الأمرُ كذَلِكَ أيَّها المُحِبُّ ، فاعْلِمْ أنَّ صَاحِبَ القَلْبِ الحَيِّ يَغْدُوْ ويَرُوْحُ ، ويَمْسِيْ ويُصْبِحُ ، وفيْ أَعْمَاقِهِ حسٌ ومُحَاسَبَةٌ لِدِقَاتِ قَلْبِهِ ، وبصرِ عَيْنِهِ ، وسِمَاعِ أُذُنِهِ ، وحَرَكِةِ يَدِهِ ، وسَيْرِ قَدَمِهِ ، إحْسَاسٌ بِأنَّ الليلَ يُدَبَرُ ، والصُبْحَ يَتَنَفَسُ ، قَلبٌ حَيٌّ تَتَحَقَّقُ بِهِ العُبُودِيَّةُ للهِ عَلَىْ وَجْهِهَا وكَمَالِهَا ، أحَبَّ اللهَ وأحَبَّ فِيْهِ ، يَتَرَقَىْ فِيْ دَرَجَاتِ الإيْمَانِ والإِحْسَانِ ، فَيَعْبُدَ اللهَ عَلَى الحُضُورِ والمُرَاقَبَةِ ، يَعْبُدُ اللهَ كأنَّهُ يَرَاهُ ، فَيَمْتَلِئُ قَلْبُهُ محبةً ومعرفةً ، وعظمةً ومهابةً ، وأُنساً وإجلالاً ، ولا يَزَالُ حُبُّهُ يَقْوِىْ ، وقُرْبُهُ يَدْنُو حَتَّىْ يَمْتَلِئُ قَلْبُهُ إيماناً وخَشْيَةً ، ورجاءً وطاعةً ، وخضوعاً وذُلَّهُ قال صلى الله عليه وسلم: ( وَلا يَزَالُ عَبْدِيْ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّىْ أُحِبُّهُ ) .
كلما اقْتَرَبَ مِنْ رَبِّهِ اقْتَرَبَ اللهُ مِنْهُ ، ( وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرْبتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً ) .
فَهُوَ لا يَزالُ رابحاً مِنْ رَبِّهِ أفْضَلُ مِمَّا قَدَمَ ، يَعِيشُ حَيَاةً لا تُشْبِهُ مَا النَّاسُ فِيْهِ مِنْ أنْوَاعِ الحَيَاةِ . قال تعالى: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) (البقرة:152) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ ذَكَرَنِيْ فِيْ نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِيْ نَفْسِيْ ، ومَنْ ذَكَرَنِيْ فِيْ مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِيْ مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ ) .
أصحابُ القُلوبِ الحَيَّةِ صَائِمُونَ قَائِمُونَ ، خَاشِعُونَ قَانِتُونَ ، شَاكرُونَ على النَّعْمَاءِ ، صابرون في البأساءِ ، لا تَنْبَعِثُ جَوَارِحُهُم إلا بِمُوَافَقَةِ مَا فِيْ قُلُوبِهِمْ تَجَرَدُوْا مِنَ الأَثَرَةِ ، والغِشِّ والهَوَىْ ، اجْتَمَعَ لَهُمْ حُسْنُ المَعرِفَةِ مَعَ صِدْقِ الأَدَبِ ، وسخاءُ النَّفْسِ مَعَ مَظَانَّةِ العَقْلِ ، هم البَرِيئَةُ أيديْهم، الطَّاهِرَةُ صدُورُهم، مُتَحابُّون بِجَلالِ اللهِ ، يَغضبُون لحُرُمَاتِ اللهِ ، أمناءُ إذا ائتُمِنُوا ، عادلون إذا حَكَمُوا ، مُنْجِزُون مَا وَعَدُوا ، مُوْفُونَ إذا عَاهَدُوا ، جَادون إذا عَزَمُوا ، يَهُشُونَ لمَصَالحِ الخَلْقِ ويَضِيقُون بآلامِهم ، في سَلامٍة مِنَ الغِلِّ ، وحُسْنِ ظَنٍّ بِالخَلْقِ ، وحملِ النَّاسِ على أحسنِ المَحامِلِ ، كسروا حُظوظَ النَّفْسِ ، وقَطَعُوا الأطماعَ فِيْ أهلِ الدُّنْيَا ، جاء في صحيحِ مُسْلمٍ مِنْ حديثِ أبي هُرَيرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: ( يَدْخُلُ الجَنَّةَ أقْوَامٌ أفْئِدَتُهُم مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ ) .
فَهِيَ سَلِيمَةٌ نَقِيَةٌ ، خَالِيةٌ مِنَ الذَّنْبِ ، سالمةٌ من العيبِ ، يَحرصون على النُّصْحِ والإخْلاصِ ، والمُتابعةِ والإحسانِ ، همَّتُهم في تَصْحِيحِ العَمَلِ أكبرُ مِنْهَا فيْ كَثْرَةِ العَمَلِ ، قال تعالى: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) (الملك:2 ) .
أوقفَهم القرآنُ فوَقَفُوا، واسْتَبانَتْ لهم السُنَّةُ فالتَزَمُوا، قال تعالى: ( يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ راجِعُونَ ) [المؤمنون:60] .