فهرس الكتاب

الصفحة 9081 من 9994

وتَدْسِيَة النفس وتدنيسها ـ أيها المسلمون ـ مرض قديم جديد في حياة الناس، تأتي به وتجلبه آفات كثيرة ومسببات متعددة، تتنوع وتتغير بتغير المكان والزمان، غير أن أشدها أثرًا وأسوأها تأثيرًا الكفر والشرك، والنفاق والشك، والخوف من غير الله، واتباع الهوى والكبر والشح، والجبن والحسد والجزع، والغرور وحب الرياسة، والتقصير والغلو، والعجلة والشكوى، والطمع والهلع، والعلو في الأرض والحمية للنفس والغضب لها. وإذا رأيت العقل يؤثر الفاني على الباقي فاعلم أنه قد مسخ، ومتى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والاستعداد للقائه وحل فيه حب المخلوق والرضا بالدنيا والطمأنينة بها فاعلم أنه قد خسف به، ومتى أقحطت العين من البكاء من خشية الله فاعلم أن قحطها من قسوة القلب، وإن أبعدَ القلوب من الله تعالى القلب القاسي. ولذا كان لزامًا على كل عبد ناصح لنفسه يرجو النجاة والفوز يوم الحسرة أن يسعى لتزكية نفسه وتطهيرها وتنقيتها وتنظيفها، وأن يتعاهد قلبه بذلك دائمًا وأبدًا، فإنه هو ملك الأعضاء ورئيسها، إن صلح وزكا صلحت الجوارح وزكت، وإن فسد وتدَسَّى، فسدت الجوارح كلها وتَدَسَّت، وخاب الإنسان وخسر، قال: (( ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) ).

ولا ريب أن رأس الأمر كله في تزكية النفس هو الإيمان بالله وتوحيده، وإفراده بالعبادة، والانقياد له بالطاعة، والتسليم بشرعه وأمره، وتمام الذل له مع تمام الحب. قال شيخ الإسلام رحمه الله:"ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا من أحبه الله، ولا يبغض شيئًا إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، فكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات، وبكمال عبوديته يبرئه الله من الكبر والشرك"اهـ.

والعدو الأكبر للتوحيد والإيمان هو الشرك بالله جل وعلا الذي سماه الله ظلمًا عظيمًا فقال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ، وهو الذي لا يغفر الله لمن لقيه به، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] ، وقال تعالى في الحديث القدسي: (( يا ابن آدم، لو أتيتني بقُرَاب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقُرَابها مغفرة ) ).

ولما كان التوحيد والإيمان في قلوب الصحابة نقيًا صافيًا خالصًا من شوائب الشرك وأوضار الجاهلية زكت نفوسهم وارتفعت، وصفت قلوبهم وطهرت، فاستعذبوا العذاب في سبيل الله، واستهانوا بكل عظيم من أجل رضاه، وقدموا النفوس رخيصة لنشر دين الله والذَّوْد عن حماه، وبذلوا الأموال بسخاء وكرم عظيمين عجيبين، لم يعرف التأريخ لهما شبيهًا ولا مثيلاً، ففتحوا القلوب والديار، وامتدت رقعة الإسلام شرقًا وغربًا في مدة وجيزة.

ألا فاتقوا الله عباد الله، وزكوا أنفسكم تفوزوا وتفلحوا، اتقوا الشرك بجميع أنواعه، واحذروا صغيره وكبيره، وإياكم والمعاصي والسيئات، حققوا التوحيد في قلوبكم تفلحوا، واعملوا بطاعة الله تفوزوا وتسعدوا. فقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14، 15] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر:15-18] .

الخطبة الثانية

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وراقبوا أمره ونهيه ولا تعصوه.

واعلموا أن تزكية النفوس لا تكون بعد الإيمان بالله والرضا به ربًّا ومالكًا وخالقًا ومدبّرًا إلا باتباع الوحيين والسير على هدي سيد الثقلين، قال ابن القيم رحمه الله:"تزكية النفوس مُسَلَّمَة إلى الرسل، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاّهم إياها، وجعلها على أيديهم دعوة وتعليمًا وبيانًا وإرشادًا، لا خلقًا ولا إلهامًا، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] ، وقال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:151، 152] . وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجئ بها الرسل فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟! فالرسل أطباء القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد والتسليم لهم والله المستعان"انتهى كلامه رحمه الله، وهو كلام عالم رباني خبير بأدواء القلوب وأدويتها، فوالله ما دَسَّى نفوس كثير من البشر اليوم ـ والله المستعان ـ إلا تنكب كتاب ربهم وسنة نبيهم ، حيث تركوهما وراءهم ظِهْرِيًا، وابتعدوا عن تعاليمهما، وأشربوا فتن الشبهات والشهوات في قلوبهم، فأصبحوا لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا إلا ما أشربوا من هوى أنفسهم.

فاتقوا الله عباد الله، وزكوا أنفسكم بطاعة الله وفعل الحسنات، ولا تدسّوها بالمعاصي والسيئات، أقيموا الصلاة وأمروا بها أبناءكم والبنات، طهروا بيوتكم من أجهزة اللهو والباطل من الدشوش والقنوات والصور المحرمة والجرائد والمجلات، اتقوا المكاسب المحرمة واحذروها، واطلبوا الحلال وأنفقوا من طيبات ما كسبتم، واتقوا الله جميعًا ـ أيها المؤمنون ـ لعلكم تفلحون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت