وقد توعد الله تعالى المضيعين لها بالغي والإثم والتورط في وحل الشهوات قال تعالى: ?فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً? (16) وقد هدد الله الساهين عن الصلاة بالويل فقال: ?فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ` الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُون? (17) .
أيها المؤمنون إن أعظم صور إضاعة الصلاة والغفلة عنها ذاك الذنب العظيم الخطير الكبير الذي تورط فيه جمع غير قليل ألا وهو ترك الصلاة والعياذ بالله ويالها من نكبة كبرى ومصيبة عظمى ونازلة شنعاء أن يقطع العبد صلته بمولاه الذي لاغنى له عنه طرفة عين. أيها المؤمنون إن ترك الصلاة انخلاع من الدين وانسلاخ من الإسلام وكفر بالله الواحد القهار فترك الصلاة والمحافظة على عدم القيام بها لايكون من رجل في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان بل والله لايصدر إلا من قلب قد عشعش فيه الشيطان كما قال الله تعالى: ?اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّه? (18) . ولذا فإن النبي r الذي لا ينطق عن الهوى حكم على تارك الصلاة بالكفر فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) ) (19) رواه مسلم. وفي المسند قال r: (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) ) (20) وقد أجمع الصحابة الكرام على كفر تارك الصلاة فعن عبدالله ابن شقيق قال: كان أصحاب محمد r لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة رواه الترمذي بإسناد صالح وقد قال عمر رضي الله عنه: لا إسلام لمن لم يصل وقال علي رضي الله عنه: من لم يصل فقد كفر. وقد جعل الله ترك الصلاة من أسباب دخول النار فاستمع بارك الله فيك إلى جواب أهل النار عندما يسألون عن سبب دخولها قال الله تعالى: ?مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ` قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ` وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ` وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ` وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ` حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ? (21) فياليت شعري هل علم أولئك المستهترون الساهون الذين حافظوا على ترك الصلوات واستهانوا بها بأنه لا إيمان لمن لاصلاة له فترك الصلاة كفر أيضاً، أولئك متلاعبون بدينهم يظنون أن الأمر هين سهل لا والله إن الأمر جد خطير فإن ترك صلاة واحدة سبب لإحباط العمل فعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (( من ترك صلاة العصر حبط عمله ) ) (22) متفق عليه. فكيف أيها الإخوان بترك الصلاة تلو الصلاة واعلموا بارك الله فيكم أن إحباط العمل ليس خاصاً بترك صلاة العصر بل هو ثابت بترك أي صلاة من الصلوات المكتوبة.
فاتقوا الله عباد الله وحافظوا على هذه الشعيرة العظيمة التي من لم يحافظ عليها أدركه الخذلان وغشيته اللعنة والسخط وانقطع عنه من ربه المدد ومن حافظ عليها فقد أخذ بأسباب السعادة والنجاة والفوز والفلاح.
الخطبة الثانية
أما بعد..
فياأيها الناس إن الصلاة من أعظم العبادات وقد أمر الله تعالى بها الأنبياء جميعاً فهذا إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام يسأل ربه فيقول: ?رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ? (23) وأمر تعالى بها موسى فقال: ?وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي? (24) ومما يؤكد أهمية الصلاة أنها واجبة على كل أحد ولا تسقط مادام الفعل ثابتاً ويظهر مكانتها أن النبي r أوصى بها وهو في سكرات الموت وفي الرمق الأخير كان يقول لأصحابه في مرضه الذي توفي فيه: (( الصلاة وما ملكت أيمانكم فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه ) ) (25) وفي رواية: (( وهو يغرغر بنفسه: الصلاة وما ملكت أيمانكم ) ) (26) رواه ابن ماجه بسند حسن. وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب لأمراء الأمصار: (إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع) وبقدر اهتمامك بالصلاة وحرصك عليها تعرف ياعبدالله مدى حبك له تعالى ورغبتك في الله وقدر الدين في قلبك قال الإمام أحمد رحمه الله: (إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة) ثم قال رحمه الله: (فاعرف نفسك ياعبدالله احذر أن تلقى الله عز وجل ولا قدر للإسلام عندك فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك) .
فاعرفوا أيها المؤمنون مكانة هذه الشعيرة وحافظوا عليها أدوها في أوقاتها أتموا ركوعها وخشوعها وسجودها حافظوا على هذه الصلوات في المساجد مع الجماعة فإن صلاة الجماعة واجبة قال الله تعالى: ?وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ? (27) . وقال r: (( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم ) ) (28) متفق عليه، فكيف يطيب لك ترك الجماعة والجلوس في البيت أو المكتب والنبي r الذي وصفه الله تعالى بقوله: ?لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ? (29) همَّ أن يحرق بيوت الذين لا يشهدون الصلاة فالصلاة مع الجماعة لها منزلة عظيمة لذا أمر الله تعالى: ?وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً? (30) فكان الصحابة رضي الله عنهم إذا جاءت الصلاة تركت منهم طائفة القتال وأقبلوا على صلاتهم كما قال الأول في وصفهم:
نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا
جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا يدعون رباً بالفضائل أنعما
واسمع أرشدك الله وصية ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: (( من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم e سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ) ) (31) .
فليت شعري ماذا تراه يقول ابن مسعود لو رأى أولئك الذين هجروا بيوت الله وعمروا الشوارع والطرقات أو البراري والاستراحات لايقيمون ولايشهدون الجماعات تعاهدوا على العصيان أم ماذا تراه ابن مسعود يقول لو رأى أولئك الذين قضوا الساعات تلو الساعات على مدرجات الكرة يدخل وقت الصلاة ويخرج وهم على ماهم عليه من لهو ولايصلي منهم إلا نفر قليل فإنا لله وإنا إليه راجعون. فاتقوا الله عباد الله وحافظوا على هؤلاء الصلوات في المساجد حيث ينادى بهن.