فهرس الكتاب

الصفحة 9163 من 9994

عباد الله: ها أنتم علمتهم أن الله تعالى بين في كتابه الأحكام المفصلة الدقيقة للطلاق، خاصة في سورة الطلاق التي وجه الخطاب في بدايتها للنبي الكريم إشعاراً بخطورة الأمر، وأن أحكام الطلاق من تعداها وخالفها ظلم نفسه، قال تعالى: وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه هذه الحدود نجد اليوم من النساء من اللواتي أعلن الحرب على أحكام الله - من يطالبن بالغاء الأحكام الشرعية المتعلقة بالطلاق، وينظمن لأجل ذلك ندوات لتحريض النساء على المطالبة بنبذ أحكام الله، ونحن نعلم أنه لا يعرض عن حكم الله إلا مطموس، ولا يحارب حكم الله إلا كافر ملعون، فهؤلاء النسوة لو كن مؤمنات حقا لطالبن بتطبيق حدود الله، ورضين بما شرعه الله: أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون [المائدة] . إن هؤلاء المارقات يعملن بكل الوسائل على الغاء ما تبقى من الأحكام الشرعية المتمثلة في مدونة الأحوال الشخصية، فيطالبن بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وبإلغاء الولي في الزواج، تقليداً للغربيين الذين جعلوا الطلاق حقاً للرجال والنساء على السواء، فكثر عندهم الطلاق وصار أضعاف ما عند المسلمين.

إن هذه الحركة النسائية فتنة خطيرة وشر مستطير، إذا لم يقف العلماء في وجهها بكل قوة فإنها ستتسبب في خراب كبير للمجتمع، بتدمير الأسر، والقضاء على الرابطة الزوجية التي حاطها الإسلام بكل الضمانات التي تكفل استقرارها واستمرارها.

فالله الله في شرع الله وحكمه، وربكم يقول: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [المائدة:44] .

ويقول مخاطباً رسوله والمؤمنون وأن أحكم بينهم بما أنزال الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزال الله إليك [المائدة:49] . فلنحذر هذه الفتنة التي تسعى إلى المزيد من الإعراض عن شرع الله، وليسع أهل الإيمان للدعوة إلى تطبيق شرع الله في أمورنا كلها لنحقق بذلك العز والسعادة في الدنيا والآخرة.

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

المدينة المنورة

قباء

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-قصة بيت ينهدم بسبب كلمة. 2- السعادة الزوجية مرهونة بطاعة الزوجين لله. 3- كثر الطلاق عندما قل الخوف من الله بين الناس. 4- نصيحة إلى من يريد طلاق زوجته. 5- كلمة في فضل المدينة النبوية ، ودعوة للقيام بحق هذه البلدة المنورة.

الخطبة الأولى

أما بعد:

فيا عباد الله، اتقوا الله حقيقة التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أجسادنا على النار لا تقوى، وأكثروا من ذكر الموت والبلى وقرب المصير إلى الله جل وعلا.

عباد الله:

كلمةٌ من الكلمات أبكت عيون الأزواج والزوجات، وروعت قلوب الأبناء والبنات، يا لها من كلمةٍ صغيرة، ولكنها جليلةٌ عظيمة خطيرة، الطلاق، الوداع والفراق والجحيم والألم الذي لا يطاق، كم هدم من بيوت للمسلمين، كم فرّق من شملٍ للبنات والبنين، كم قطّع من أواصر للأرحام والمحبين والأقربين، يا لها من ساعةٍ حزينةٍ، يا لها من ساعةٍ عصيبةً أليمة، يوم سمعت المرأة طلاقها، فكفكفت دموعها وودعت زوجها، ووقفت على باب بيتها؛ لتلقي آخر النظرات على بيتٍ مليءٍ بالذكريات، يا لها من مصيبةٍ عظيمةٍ، هُدمت بها بيوت المسلمين، وفُرّق بها شمل البنات والبنين.

الزواج نعمةٌ من نعم الله، ومنةٌ من أجلّ منن الله، جعله الله آية شاهدةً بوحدانيته، دالةً على عظمته وألوهيته، لكنه إنما يكون نعمةً حقيقية إذا ترسّم كلا الزوجين هدي الكتاب والسنة، وسارا على طريق الشريعة والملّة، عندها تضرب السعادة أطنابها في رحاب ذلك البيت المسلم المبارك، ولكن ما إن يتنكب الزوجان أو يتنكب واحدٌ منهما عن صراط الله حتى تفتح أبواب المشاكل، عندها تعظم الخلافات والنزاعات، ويدخل الزوج إلى بيته حزيناً كسيراً، وتخرج المرأة من بيتها حزينةً أليمةً مهانةً ذليلةً، عندها يعظم الشقاق ويعظم الخلاف والنزاع، فيفرح الأعداء ويشمت الحسّاد والأعداء، عندها - عباد الله - يتفرّق شمل المؤمنين، وتقطّع أواصر المحبين.

كُثر الطلاق اليوم حينما فقدنا زوجاً يرعى الذمم، حينما فقدنا الأخلاق والشيم، زوجٌ ينال زوجته اليوم فيأخذها من بيت أبيها عزيزةً كريمةً ضاحكة مسرورة، ويردها بعد أيام قليلة حزينة باكية مطلقة ذليلة.

كثر الطلاق اليوم حينما استخف الأزواج بالحقوق والواجبات، وضيّعوا الأمانات والمسئوليات، سهرٌ إلى ساعات متأخرةٍ، وضياعٌ لحقوق الزوجات، والأبناء والبنات، يُضحك الغريب ويبكي القريب، يؤنس الغريب يوحش الحبيب.

كثر الطلاق اليوم حينما كثر النمّامون، وكثر الحسّاد الواشون.

كثر الطلاق اليوم حينما فقدنا زوجاً يغفر الزلة ويستر العورة والهنّة، حينما فقدنا زوجاً يخاف الله ويتقي الله ويرعى حدود الله ويحفظ العهود والأيام التي خلت والذكريات الجميلة التي مضت.

كثر الطلاق اليوم حينما فقدنا الصالحات القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله، حينما أصبحت المرأة طليقة اللسان طليقة العنان، تخرج متى شاءت، وتدخل متى أرادت، خرّاجة ولاجة إلى الأسواق، إلى المنتديات، واللقاءات، مضيعة حقوق الأزواج والبنات، يا لها من مصيبةٍ عظيمةٍ.

كثر الطلاق اليوم حينما كثر الحسّاد والنمامون والواشون والمفرّقون.

كثر الطلاق اليوم حينما تدخّل الآباء والأمهات في شؤون الأزواج والزوجات، الأب يتابع ابنه في كل صغير وكبير، وفي كل جليل وحقير، والأم تتدخل في شؤون بنتها في كل صغير وكبير وجليل وحقير حتى ينتهي الأمر إلى الطلاق والفراق. ألم يعلما أنه من أفسد زوجةً على زوجها أو أفسد زوجاً على زوجته لعنه الله.

كثر الطلاق اليوم - عباد الله - لما كثرت المسكرات والمخدرات فذهبت العقول وزالت الأفهام، وتدنّت الأخلاق، وأصبح الناس في جحيم وألمٍ لا يطاق.

كثر الطلاق لما كثرت النعم وبطر الناس الفضل من الله والكرم، وأصبح الغني الثري يتزوج اليوم ويطلق في الغد القريب، ولم يعلم أن الله سائله، وأن الله محاسبه، وأن الله موقفه بين يديه في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون ولا عشيرة ولا أقربون.

يا من يريد الطلاق، الطلاق الوداع والفراق، الطلاق جحيمٌ لا يطاق، الطلاق يبدد شمل البنات والبنين، ويقطّع أواصر الأرحام والأقربين.

الطلاق - عباد الله - مصيبة عظيمةٌ، فيا من يريد الطلاق اصبر فإن الصبر جميلٌ، وعواقبه حميدةٌ من الله العظيم الجليل.

يا من يريد الطلاق إن كانت زوجتك ساءتك اليوم فقد سرّتك أياماً، وإن كانت أحزنتك هذا العام فقد سرّتك أعواماً. يا من يريد الطلاق انظر إلى عواقبه الأليمة ونهاياته العظيمة، انظر لعواقبه على الأبناء والبنات، انظر إلى عواقبه على الذرية الضعيفة، فكم بُدد شملها، وتفرّق قلبها بسبب ما جناه الطلاق عليها.

يا من يريد الطلاق: صبرٌ جميلٌ فإن كانت المرأة ساءتك فلعل الله أن يخرج منها ذريةً صالحةً تقر بها عينك، قال ابن عباس في قوله تعالى: فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت