فهرس الكتاب

الصفحة 9200 من 9994

ربُّنا جل وعلا قصَّ علينا في القرآن نبأَ هذا النبي الكريم في معظم آي القرآن، ما بين مبسوط وما بين موجَز، وما كانت تلك القصة عبثاً، ولا مجرَّد تاريخ يُحكى، ولكنها العبر والعظات، لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِى الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لْقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:111] .

قصَّ الله علينا نبأ هذا النبي الكريم من حين وُلد، ذلك أنه عليه السلام وُلد في عامٍ كان فرعون يقتل فيه الذكورَ من بني إسرائيل، ويستبقي فيه النساء، ولكن الله جل وعلا حفظ هذا النبيَّ من كيدهم، حفظه من كيدهم، ووقاه شرَّهم، وتربَّى في بيت آل فرعون لما لله في ذلك من الحكمة البالغة.

عندما ولدته أمه ضاقت بها الأرض ذرعاً، وتعلمُ أنه إن عُلم به قتل، فأوحى الله إليها: فَأَلْقِيهِ فِى اليَمّ [القصص:7] ، ترضعه، وتضعه في صندوق وتلقيه في البحر، وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] . إنه وعدُ حقٍ لا شك فيه، ترضعه أمُّه وتلقيه في اليم، فَالْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً [القصص:9] ، ولكن الله ألقى في قلب امرأة فرعون محبته والشفقة عليه والحنان عليه، فصارت أعظمَ من أمه رفقاً ورحمةً به، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف:21] .

بُحث له عن مرضعة، ولم يلتقم ثدي أيِّ مرضعة، وامراة فرعون حريصةٌ على حياته وعلى سلامته، فحرَّم الله المراضع عليه لما له في ذلك من الحكمة، وتبعث امرأة فرعون من يبحث عن مرضعةٍ وإذا أخته تخبرهم عن مرضعة له، فجاؤوا بها فالتقم ثديَ أمه، وقرَّت أمُّه عيناً بوعد الله لها، فنعد ذلك قُرِّبت أمُّه وأكرمت، ولا يعلمون أنها أمه، وإنما يعدُّونها مرضعةً أجيرة، تأخذ أجرةً على الإرضاع، والله حكيم عليم فيما يقضي ويقدر.

بلغ هذا النبيُّ أشدّه واستوى وآتاه الله حكمةً وعلما، وَكَذالِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ [القصص:14] .

أمره الله أن يأتي فرعونَ الذي يقول: إنه الرب الأعلى، أن يأتيَه يدعوه إلى الله، وإلى عبادة الله، وأن يخلِّي بينه وبين بني إسرائيل. وشدَّ عضده بأخيه هارون، فأتيا إلى فرعون يدعوانه إلى الله، ويرشدانه إلى الحق، والله يقول لهما: فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] . ولما خافا قال لهما: إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] ، فقوي قلب موسى، قوي قلبه، وعظمت ثقته بربه، فجاء لذلك الطاغية، يدعوه إلى الله وإلى عبادته، ويترك ما هو فيه من الباطل والضلال، ولكن فرعون لجَّ في طغيانه، وتمادى في باطله، وقال لموسى مستهزئاً: فَمَن رَّبُّكُمَا يامُوسَى [طه:49] ، وقال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:22، 23] ، والله يعلم أن فرعون كاذب في دعواه، وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:14] .

دعاه إلى الله، وناظره وجادله، وأقام الحجة والبراهين على فساد طريقته، وأن ما هو عليه باطل وضلال، وطلب فرعون آيةً من موسى، وكان إذ ذاك، كان السحرة في عهد فرعون لهم الشأن والقوة، وكانوا المقدَّمين في الأمور، فأعطى الله موسى من الآيات الباهرات ما حيّر عقولَ السحرة كما سيأتي بيانه، فطلب آيةً من موسى، فأخرج موسى يدَه فإذا هي بيضاء تحاكي الشمس في قوَّتها وبياضها، وألقى عصاه فإذا هي حيَّة تسعى، فعند ذلك أصابَ فرعونَ ما أصابه من الخوف والخجل، وعلم أن ذاك حق، ولكن الشقاوة إذا غلبت على العبد فليس فيه حيلة، وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ [يونس:101] .

أقام موسى يدعو فرعونَ إلى الله، وينشر دينَ الله، ويدعو إلى عبادة الله، ويقيم حجةَ الله على خلقه، إنها لدروس وعظات، إنها لدروس وإنها لعظة وعبرة، تبيّن للداعي إلى الله أن الدعوةَ إلى الله طريقُ الأنبياء والمرسلين، وأن الدعوةَ إلى الله لا بد للداعي فيها من صبر وقوةِ جأش وتحمُّلٍ لكل الأمور، ولا بد من علم وحجج يقيمها على المعاند، ولا بد من يقين أن الله ناصرُ دينِه، ومعلٍ كلمتَه، وأن الباطل مهما عظُم فإن الباطل زهوق، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء:18] ، وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81] ، وبالصبر والثبات والاستمرار على الخير يتحقَّق بتوفيق الله للعبد ما يريده، إما هداية، وإما أن يلقى الله على ما هو عليه من الخير، وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ [الروم:47] ، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171- 173] .

استمرَّ موسى في دعوته، ومضى في طريقه، فضاق بفرعون الأرضُ بما رحبت، وعلم أن استمرارَ موسى في هذا المنهج سيقضي عليه وعلى أتباعه؛ لأن موسى جاء بحق، وفرعون على باطل، وفرعون يتناقض باطله، تحوّل موقف الكبرياء والعظمة بالإنكار، ثم طلبوا المناظرة والآيات، مما يدلُّ على تناقض الباطل وضعفه أمام قوة الحق والهدى.

طلب من موسى المناظرة، وأن يجتمعا في يوم من الأيام في يوم الزينة، ليَظهر مَن المحق من [المبطل] ، وحشد السحرةَ على اختلافهم، ووعدهم ومنَّاهم أنهم المقرَّبون عنده، وأن لهم النفوذَ عنده، فأجابوه واجتمعوا هناك، اجتمع فرعون وسحرته وجنده، وجاء موسى يحمل عصاه وحده، قَالُواْ يامُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه:65، 66] ، فعند ذلك امتلأ الوادي من العصي، وامتلأ من كل شيء، ظنَّه من يراه حقيقة، ولكنه تخيّلٌ وسحر من أنواع السحر، فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى [طه:67] مما رأى وشاهد، فقال الله له: قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعْلَى [طه:68] ، وأمره الله أن يلقيَ عصاه التي يحملها، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:20] ، أتت على كل ما في الوادي فابتلعته كلَّه، فرأى السحرة بقوة فكرهم وعقولهم أن هذا أمرٌ لا قدرة لهم به، وآيةٌ لا يستطيعون مقاومتَها، وأن هذا أمرٌ ربانيٌّ هم عاجزون أن يقفوا أمامه؛ عصاً يحملها في يده، يلقيها فتفتح فاها فتلتقم كلَّ ما في الوادي!! ولولا هروب البشر لالتقمتهم معه. إنما لمعجزة عظيمة، وآية عظيمة، خرَّ السحرة لله سٌجداً، قَالُواْ امَنَّا بِرَبّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه:70] ، وتوعَّدهم فرعون وتهدَّدهم، قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَاذِهِ الْحياةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:72، 73] ، دخلوا الجنةَ وما عملُهم إلا سجدةٌ سجدوها لله، فختم الله بها أعمالهم، وعذبهم فرعون إلى آخر ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت