فهرس الكتاب

الصفحة 9314 من 9994

قال عز وجل: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5] الرجز: الشرك والمعاصي والذنوب والآثام، وفي هذه العبارة إشارة إلى أن توحيد الخالق يقتضي ويتطلب عدم تعظيم أو تقديس أي شيء لا يخضع لخالق الكون والحياة، ولا يعترف بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات لله، وأن المسلم ينبغي له أن يهجره. ثم قال عز وجل: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6] وفي هذا إشارة إلى أن ما خص به من منع إعطاء الشيء ابتغاء شيء أكثر هو أنه مقرون بأجمل الأخلاق وأشرف الآداب، ليكون مثلاً أعلى للبشرية؛ لأنه يدعوها إلى مكارم الأخلاق، ولقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) . وقد أوتي صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق أرفع قدر وأعلى نسبة، فإن الكمالات البشرية الموزعة على جميع الأنبياء والرسل وعلى جميع الناس، لم تجمع لشخص واحد إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، حتى قال الله له بشهادة ربانية عالمية: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] من قائل هذا الكلام؟ إنه الله، الله يشهد له ويقول: يا محمد! إنك لعلى خلق عظيم، عظيم عندي وعندك، ليس عند الله فقط، فيا لها من شهادة! ولما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت: (كان خلقه القرآن) من أراد أن يعرف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم فليقرأ القرآن، القرآن يحتوي على أفضل الكمالات، وهي مترجمة كاملة في تطبيق وسلوك وأخلاق وتعامل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أعلى الصفحة

الأمر بالصبر عند التبليغ

في ختام هذه الأمور الهامة التي ترسم معالم الدعوة، ويصل بها الإنسان إلى نصرة الحق والدين، هذه الحقيقة التي هي تحمّل لأمانة الدعوة، كان لابد من توجيه يحفظ له هذا الأمر، وهو الأمر بالصبر، فقال الله عز وجل له: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:7] إذ أن من يتصدى للدعوة لابد أن يتعب، ولابد أن ينصب، ولا بد له من الابتلاء؛ ولهذا لا بد له أن يتسلح بسلاح الصبر؛ ولهذا قدم هنا الجار والمجرور: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:7] قدم الجار والمجرور على العامل المتعلق به وهو الصبر، ما قال: اصبر لربك، التقديم هنا للاختصاص، أي: اجعل الصبر مختصاً بالله؛ لأنه يمكن أن تصبر لربك ولغير ربك؛ لكن لا اجعل الصبر خالصاً لله.. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:7] أي: احتسب كل ما ينالك في سبيل الدعوة عند الله عز وجل.

أعلى الصفحة

استجابة الرسول لأوامر ربه وقيامه بالدعوة سراً

لما وجهت هذه التوجيهات الربانية إلى النبي صلى الله عليه وسلم أدرك عظمتها، ونهض من فراشه، وأخذ يدعو إلى دين ربه ثلاث سنوات متتاليات سراً، وكان قد أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله بإظهاره بعد ثلاث سنين، كما يذكر ابن إسحاق في السير، ومما يدل على السرية في الدعوة ما جاء في خبر إسلام عمرو بن عبسة رضي الله عنه، حيث قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو في مكة وهو حينئذ مستخفٍ) أي: مستخف بالدعوة، وهذا الحديث في صحيح مسلم ، وكان تحركه في بداية دعوته في الوسط الذي يربطه؛ في أسرته، مثل زوجته وأبنائه، ومواليه، وأصدقائه المباشرين الذين كان يطمئن إليهم، ويثق فيهم.

أعلى الصفحة

أوائل المستجيبين لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت