فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن نعم الله: نعمة العقل الذي هو مصرف لهذا الإنسان، فإذا سلب من الإنسان العقل كيف يتحول؟ إنه يفقد القدرة على التصرف السليم، فيتصرف تصرفات غير مسئولة أو غير معقولة، ويخاف أهله منه، يُكتِّفُونه ويجلسون عند رأسه، ويقولون: انتبهوا! لا يفتح الباب، لا يقفز من الشُّبَاك، انتبهوا! لا تجعلوا عنده كبريتاً، أبعدوا النار من عنده؛ لماذا؟ لأنه لا يضبط تصرفاته، ولهذا امتن الله علينا بهذه النعمة فقال: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] . فهذه الثلاث النعم لو سلبها الله من البشر، فلا عقول ولا أسماع ولا أبصار ماذا بقي معهم؟ بقيت كتل بشرية لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، فهل تصنع هذه الكتل حضارة؟ وهل تخترع مخترعات؟ وهل تركب الطائرات؟ وهل تصنع سيارات؟ وهل تبني العمارات؟ وهل تؤلف المؤلفات؟ وهل تبني الجامعات؟ وهل تنتج هذه الحضارات؟ لا. لماذا؟ لأنه لا عقل يعقل ولا سمع يسمع ولا عين تبصر، ماذا بقي من الناس؟ بقي منهم الأشكال التي لا قيمة لها، لكن هذه النعم من الله تبارك وتعالى. العقل نعمة من نعم الله الذي لا إله إلا هو؛ لأنه بمنزلة المصرف لك بحيث لا تمشي إلا في الصواب، فبغير العقل لا يدري ماذا يعمل الإنسان، فعليك أن تشكر الله على نعمة العقل.
أعلى الصفحة
نعمة اللسان
ومن نعم الله: جهاز اللسان الذي هو آية من آيات الله، امتن الله به في القرآن وقال: وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:9] فالهواء الخارج يسمونه في الطب ثاني أكسيد الكربون وهو محروق ليس له فائدة، بحيث لو جلس الإنسان يستنشق ثاني أكسيد الكربون المحروق يموت، وهو يستنشق الأكسجين ويحوله إلى الرئة ويصفي به الدم وبعد ذلك يصعد ثاني أكسيد الكربون، فهذا الهواء الخارج محترق وسام، ورغم أنه سام إلا أنه لا يخرج هباء، وإنما ركب الله تبارك وتعالى في الحلق الأوتار والحبال الصوتية فتستفيد من الهواء الخارج وتتكلم به، ولهذا يقولون: إن الذي يريد أن يقرأ القرآن أو يتكلم فعليه أن يستنشق نفساً طويلاً ثم يقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] فالهواء الذي كان في الرئة ما الذي جعله يصعد ليصبح كلاماً وهو هواء فاسد، لا تعلم أنت ولا أعلم أنا ولا يعلم أحد، لسان يتكلم بكل فصاحة وبيان، ويعرف الكلام وهذا لا يدري كيف، والذي يقرأ كلام ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة وهو يتكلم على نعمة الله في خلق هذا اللسان، يرى العجب العجاب، كيف أن هذه اللحمة التي لا تدري كيف تعرف الأصوات وتتكلم بالأصوات ممكن أن أتكلم لكم الآن بصوتي وممكن أن أقلد لكم صوتاً آخر، فكيف صعد هذا الصوت؟ باللسان، وهذا اللسان يعرف الأطعمة كلها، هذا حار، وهذا بارد، وهذا حلو، وهذا حامض، وهذا فيه لذعة، وهذا فيه حموضة، جميع الأطعمة كلها تعرفها عن طريق لسانك، هذه نعمة من نعم الله عليك. وبعد ذلك في داخل الفم يقوم بدور عامل الخلطة، فالذي يعمل الخلطة يأتي -مثلاً- بكيس من سمنت ورمل وخرسان وما تصلح إلا بعامل وماء و (كريك) ، وهذا هو الذي تعمله أنت الآن، تدخل لقمة رز، ومعها قليل لحم، من الذي يخلطها داخل ويسويها ويقلبها؟ الأسنان تطحن وهذا الكريك (اللسان) يقلب إلى أن تنضبط الخلطة، فإذا كانت مستساغة نزلها على المعدة، والمعدة تقوم بدورها في الهضم، هذه نعمة الله في اللسان.
أعلى الصفحة
نعمة المريء والبلعوم ولسان المزمار