فهرس الكتاب

الصفحة 9473 من 9994

هذه الدعوة -أيها الإخوة- يجب أن يمارسها المسلم من خلال وضعه الذي يعيشه، فالطبيب والمهندس والضابط والموظف والمرأة والمزارع بإمكانهم أن يكونوا دعاة إلى الله، لكن أبرز الناس قدرة على الدعوة إلى الله بالمال هو التاجر وذلك لأن عنده إمكانية. لقد مارس سلفنا وسلفكم التجار هذا، ونصر الله بهم الدين، وتعرفون الأمثلة: خديجة رضي الله عنها سخرت أموالها لخدمة الدعوة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. أبو بكر رضي الله عنه يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نفعني مال كمال أبي بكر ) . عثمان رضي الله عنه تاجر الصحابة في غزوة العسرة، جاءت تجارته من الشام بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، محملة بالسمن والدقيق، في زمن مجاعة، وكانت الأرض مثل الرماد، وسمي ذلك العام بعام الرمادة، انحبس المطر حتى أصبحت الأرض مثل الرماد، ولا يوجد هناك إلا ما يأتي من السماء، والناس في شدة وضيق، ولما جاءت القافلة بثلاثمائة بعير قام التجار كلهم في المدينة من أجل أن يكسبوا، فأعطوه في الدينار ديناراً -أي: مكسب (100%) - قال: أُعطيتُ أكثر. فأعطي ديناران في الدينار -أي: (200%) - قال: أُعطيتُ أكثر. ويعرفون أنه صادق لا يكذب، ليس مثل بعض التجار يقول: أُعطيتُ أكثر. وهو كاذب، إذا قال هذا الكلام وجاءه ربح أكثر بناءً على كلمته فدخله حرام (100%) ؛ لأن ذاك صدقه! مثلاً: يقال للبائع: السيارة هذه بكم؟ قال: أُعطيتُ فيها ثلاثين ألفاً. ولم يعطَ ذلك المبلغ، إذاً لماذا تريد أن تزيد في السعر، ليعطيك فرقاً فيعطيك واحداً وثلاثين ألفاً، لأنك افترضت ثلاثين كذباً، إذاً هذا الدخل حرام. أما عثمان فصادق - ذو النورين الذي تستحي منه الملائكة رضي الله عنه وأرضاه- قال: أعطيت أكثر. حتى وصلت إلى خمسة -أي: (500%) - قال: أُعطيتُ أكثر. فاجتمع التجار كلهم، قالوا: من الذي أعطاه؟ نحن كلنا تجار المدينة، هل هناك أحد جاء من السماء؟ لا يوجد إلا نحن، والرجل لا يكذب، ثم جاءوا إليه وقالوا: قد تشاورنا ولم نجد أحداً أعطاك أكثر مما أعطيناك، فمن أعطاك؟ قال: أعطاني الله، أعطاني في الدينار عشرة دنانير إلى أضعاف كثيرة، قال: هي في سبيل الله. فلما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة بعير محملة قال فيه: (ما ضر عثمان ما صنع بعد اليوم) هذا هو المال الرابح أيها الإخوة! أبو الدحداح رضي الله عنه وأرضاه لما سمع قول الله عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة:245] قال: [ربنا يستقرضنا؟ قال: اقرأ بقية الآية فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:245] ] الله غني، لا يستقرض منك لأنه فقير، لكن من أجل أن يزيد ويضاعف لك الأجر. وأبو طلحة لما نزل قوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] قال: يا رسول الله أحب مالي بيرحاء -وهو بستان في المدينة - أشهدك أنها لله عز وجل، قال: (بخٍ! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح!) . وهكذا استمرت -أيها الإخوة- أيادي الدعوة والخير تنتقل، بل دخل دين الإسلام عن طريق التجار إلى دول مثل: إندونيسيا، وماليزيا، وتايلاند، وسنغافورة، فهذه البلاد فيها مئات الملايين من المسلمين، لم تفتح بلادهم عنوة ولا بالسيف وإنما بالتجار المسلمين الذين كانوا يحملون هَمَّ الدعوة، انتقلوا بالتجارة ومعهم الإسلام فدعوا إلى الله سبحانه وتعالى، دعوا إلى الله بألسنتهم وبفعلهم وتطبيقهم، فدخلت تلك الدول في دين الله.

أسس ومقومات الدعوة إلى الله

أيها الإخوة: بالإمكان أن يمارس رجال الأعمال في هذا الزمان نفس الدور الذي مارسه أسلافهم في الزمان الأول، وأن يصدروا هذا الدين للعالم كله يوم أن يحملوا هَمَّ هذا الدين؛ وحتى يقوموا بهذا الدور لا بد من مراعاة بعض الأمور:

الشعور بالمسئولية

وهذا يبدأ كقاعدة وأساس: الإحساس والشعور بالمسئولية تجاه الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى لهذا الدين. وهذا يحصل إذا بدأ الإنسان يفكر فيه ، لكن إذا لم تحصل عنده فكرة أصلاً أنه مسئول عن الدين كيف يهتم؟!

أعلى الصفحة

التخطيط السليم

الأمر الثاني: التخطيط السليم، واستشارة المختصين من العلماء والدعاة والمهتمين، ووضع (البرامج) المدروسة للتعرف على مجالات وأساليب العمل الدعوي التي يمكن أن يسلكها التاجر. نحن نعرف -والحمد لله- أن التجار الأثرياء يقومون بجهود طيبة خيرية، لكن معظمها إغاثي، أو عمل خيري في بناء مساجد، أو مساعدات في الملاجئ أو في أي شيء، لكن هذا كله ليس كالعمل الدعوي؛ لأنه صدقة جارية! أنت إذا عملت عملاً ينقطع أجره ليس كعملٍ يجري أجره دائماً، والذي يجري دائماً هو الدعوة؛ ففي الحديث المتفق عليه يقول عليه الصلاة والسلام: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النعَم) فإذا سخرت مالك لدعوة غير المسلمين وأسلم واحدٌ منهم بسببك هذا في ميزانك يوم القيامة، تبعث يوم القيامة مبعث الأنبياء، لأنه جاء في الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: (رأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد) فإذا جئت وأنت معك واحد أسلم على يديك بمالك تُبعث مبعث الأنبياء، وتكون سلسلة من الخير مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأنت في قبرك والحسنات تأتيك، خصوصاً إذا أوقفت شيئاً من مالك للعمل الدعوي؛ لأن هذا التبرع المقطوع ينتهي، لكن إذا اختزنت شيئاً من مالك كعمارة أو كأرض كبيرة توقفها ليكون دخلها وريعها للدعوة إلى الله تكون أنت في قبرك والملايين من الحسنات تأتيك، وإلى متى؟ إلى أبد الآبدين. هذا الأمان الرابح، وهذا العمل العظيم يأتي عن طريق التخطيط والاستشارة للجهات التي تهتم بهذا الجانب والتي سوف نذكرها إن شاء الله.

أعلى الصفحة

التهيئة النفسية للاهتمام بقضايا الدعوة

أيضاً: لا بد للتاجر أو رجل الأعمال المسلم من التهيئة النفسية وذلك بكثرة الاطلاع على الكتب التي تعالج قضايا الدعوة كالمجلات والصحف والأشرطة الإسلامية، لا يكن طيلة النهار همك كله في التجارة حتى تصاب بالإرهاق، ولا تعرف إلا الهاتف، والفاكس، والأرصدة وسوق البورصة فقط ولا تذكر الله! بل اجعل لك وقتاً معيناً للاهتمام بالدين فقط، وظِّف عندك أناساً لخدمة هذا الغرض: يجمعون لك المعلومات، يعطونك الأخبار، تسمع منهم.. لماذا؟ لأنك أنت ابن الدنيا والآخرة، كم نسبة بقائك في الدنيا؟ ستون سنة، كم تبقى في الآخرة؟ إلى أبد الآبدين، كيف تضيع حياتك في ستين سنة وتضيع آخرتك فيها؟ وإذا بك تخرج من الدنيا لا دنيا ولا دين.. لا، فلابد من الاستعداد النفسي بحيث تجعل لك اهتمامات دينية عن طريق الاطلاع ومعرفة العالم الإسلامي وأحوال المسلمين في كل مكان.

أعلى الصفحة

استغلال الطاقات البشرية عن طريق الأموال

هناك إمكانيات بشرية هائلة موجودة في الأمة لكن ينقصها الدعم المالي، وهذا في يد رجل الأعمال، إذ بإمكانه أن يسخر العديد من طلبة العلم والعلماء في كثير من بلدان العالم الإسلامي في الدعوة إلى الله، فيكفل مجموعة من الدعاة والعلماء، ويفتح المدارس الدينية، ويفتح المعاهد، ويفرغ طلاباً لدراسات عليا في بعثات في جامعات حتى يتخرج بسببه علماء، ويكون هذا الخير كله بسبب هذا المال الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى.

غريزة حب المال والاستثمار الحقيقي مع الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت