فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يتصور بعض الناس أن هذه الآية فقط مصروفة إلى الحُكَّام والرؤساء الذين لا يحكمون الشرائع، وهي آية عامة تشمل الحاكم والمحكوم، والكبير والصغير، وكلُّ مخاطب بهذه الآية يجب أن يحكم أمر الله فيه. فعينُك هذه محكومة بأمر الله، أي: أمَر الله فيها بحكم، وقال لك: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] ، هذا حكم الله في عينك، هل أخضعت عينك لحكم الله؟! أم أن عينك متمردة على حكم الله؛ فهي تنظر إلى ما حرم الله؟! وأذنك هذه مأمورة بأمر، فلا تسمع ما حرم الله، فهل حكَّمت فيها أمر الله فمنعتها من استماع الغناء وما حرم الله؟! ولسانك هذا محكوم بأمر الله، فهل أخضعت هذا اللسان لشرع الله، وحكمته بشريعة الله؟! أم أنه محكوم بالهوى والشهوة والعادة والطبيعة؟! وفرجُك، ويدُك، ورجلك، وبيتك، وزوجتك، وعملك، ومؤسستك، وحياتك كلها .. ما من جزئية من جزئياتك إلا وفيها أمر لله، هل حكمته بأمر الله؟! وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] . قال العلماء: كيف تعدد الحكم بين: (كافرون، ظالمون، فاسقون) ؟! رغم أن المعصية واحدة. قالوا: الناس أمام أمر الله ثلاثة أصناف: الأول: صنف يواجهه أمر الله، فلا يؤمن به أصلاً، ويرفضه، ويتصور أن أمره أحسن من أمر الله، فهذا كافر. الثاني: صنف يواجهه أمر الله وهو ظالم، وأمر الله يأمر بالعدل، فيرى أن أمر الله يرد ظلمه، فيرفضه ليستمر في ظلمه، فهو ظالم. الثالث: صنف يواجهه أمر الله، ويعرف أن أمر الله حق؛ لكن أمر الله يحول بينه وبين ممارسة فسقه ومعاصيه، وهو إنسان يحب الشهوات، وإذا عرف أن أمر الله ينفذ عليه، فلا يريده من أجل الشهوة، فهذا فاسق. والذي تتوفر فيه الثلاثة كلها؛ يرفض أمر الله؛ لأنه لا يريده أصلاً، ولا يرى أنه أفضل شيء، ثم هو ظالم، ثم هو فاسق، فتجتمع فيه الصفات كلها -والعياذ بالله-.
أعلى الصفحة
تفسير قوله تعالى: (قل الله...)
قُلْ لِلَّهِ [الأنعام:12] اكتفى بالرد بهذه الآية فقط؛ إذ لا سبيل إلى المرية أو الشك أو المنازعة في هذا، لا يوجد أحد يستطيع أن يقول: إن أحداً مع الله شريك في السماوات والأرض، والدليل على ذلك: أن كل من يدَّعي ملك شيء يترك هذا الملك، فبيتك هذا تقول: بيتي. طَيِّبٌ! لا تقل: بيتي، قل: بيت الورثة؛ بعد سنة أو سنتين إذا بك نازل على رأسك وقد كنت تمشي على رجليك، والآن تُنَزَّل منكوساً، إذاً هذا بيتك، أم بيت الناس؟! بيت الناس. تقول: هذه سيارتي. تَرَكْتَها. تقول: هذه زوجتي. تَرَكْتَها. تقول: هذه إدارتي. فصلوك منها. تقول: هذه رتبتي. نزعوها من على كتفك وتركوك. تقول: هذه وزارتي. أحالوك. تقول: هذه مملكتي. متَّ وأخرجوك. إذاً: لمن الملك أصلاً؟! لله. ولهذا يوم القيامة بعد أن يفني الله عزَّ وجلَّ الكون كله، ينادي تبارك وتعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16] ؟! أين الجبابرة؟! أين القياصرة؟! أين الأكاسرة؟! فلا يجيبه أحد، فيجيب على نفسه تبارك وتعالى فيقول: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16] لا شريك له فهو المالك. ولهذا لَمْ تأت الآية بمزيد توضيح؛ إذ لا مجال للمراء والشك في هذه القضية، فهي قضية من المسلَّمات، قُلْ لِلَّهِ [الأنعام:12] لكن العبرة والعظة فيما جاء بعدها: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:12] سبحانه ما أعظمه! المالك الذي لا ينازَع في ملكه؛ ولكن منه فضلاً ورحمة ومِنَّةً كتب على نفسه الرحمة، مَن ألزمه بأن يكتبها؟! من طلب منه أن يكتبها؟! كتبها ابتداءً منه وفضلاً منه، كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:12] كتبها بمشيئته وبإرادته، لم يوجبها عليه موجِب، ولم يقترحها عليه مقترح، ولم يقتضها منه مقتضٍ، ولم يطلبها منه طالب؛ ولكنها إرادته المطلقة، وربوبيته الكريمة.
رحمة الله .. تعريفها وضابطها
تعريف الرحمة
الرحمة كما يقول العلماء: قاعدة قضائه في خلقه؛ الأصل في كل شيء رحمة الله؛ لسعتها وشمولها، ولأنها مكتوبة؛ كتبها الله عزَّ وجلَّ بإرادته وفضله، كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:12] . فالرحمة قاعدة معاملته مع خلقه في الدنيا والآخرة، ولو أن الله يؤاخذ الناس بغير الرحمة ما ترك على ظهرها من دابة، ولأهلك الناس من زمن طويل، ولم يبق أحداً؛ لأن كل واحد يذنب في كل يوم ذنباً؛ لكن ما أعظم رحمة الله عزَّ وجلَّ! انظر إلى نفسك أنت كم تخطئ في اليوم الواحد؟! وكم تقترف من الذنوب والمعاصي؟! ففي هذا اليوم من الصباح إلى المغرب كم نظرت إلى النساء؟! هل سمعت منكراً؟! هل تكلمت في محذور؟! هل فكرت في حرام؟! هل صليت في المسجد؛ الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء؟! هل عملتَ خيراً؟! تصدقت؟! أصلحت؟! أمرت بمعروف، نهيت عن منكر؟! كل هذه الأسئلة يجب أن تدور في ذهنك .. وستجد في المقابل الثاني معاصٍ، فلو أخذك الله بالمعاصي لأهلكك اليوم، وأهلك أهل أمس، وما بقي أحد؛ ولكن القاعدة الأصلية في تعامل الله عزَّ وجلَّ مع خلقه، ويعاملهم به في الدنيا وفي الآخرة هي: رحمته فله الفضل والمنة، وله الشكر على هذه النعمة.
أعلى الصفحة
مقتضى رحمة الله لعباده