فهرس الكتاب

الصفحة 9500 من 9994

يقول الله عزَّ وجلَّ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً [الأنبياء:107] لمن؟ للناس؟! لا. بل: لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] وكل ما سوى الله فهو عالَم، رحمة للسماوات وللأرض، ولليل وللنهار، وللأشجار وللبحار، وللإنسان وللحيوان، وللنبات وللجماد .. كل شيء، لقد شملت هذه الرسالة وعمَّت رحمتها كل شيء، حتى المطر إذا نزل على أرضٍ فيها صلاح ودين يصير رحمة، وإذا كان فيها معاصٍ يصير عذاباً وتدميراً، لماذا؟ لأنه في الأصل رحمة، وأحياناً لا يكون هؤلاء أهلاً للرحمة فينزل عليهم عذاباً -والعياذ بالله-. فبعثة النبي صلى الله عليه وسلم رحمة، وتصوروا أيها الإخوة، لو لم يكن لنا رسول، فمن يكون قدوتنا في الحياة؟! إن المؤمن ليطمئن وتهدأ نفسه حينما يعلم أنه يتلقى تعليماته وقدوته وأوامره ويسير في حياته على منهج أكرم بشر، وعلى طريقة أفضل مخلوق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، شرف عظيم لك أن يكون قدوتك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكن إذا كنتَ بغير قدوة ورسالة ما حالك؟ انظروا إلى التائهين الضالين، يربي له (زنَّارة) . ماذا به؟! قال: هذا خُنْفُس. هذا قدوته الخُنْفُس. وآخر حلق رأسه إلى أن صار رأسه مثل البطاطا تماماً. ماذا به؟! قال: هناك جماعة في أوروبا اسمهم: جماعة الأرانب، أنا من أعضاء جمعية الأرانب. هذا خُنْفُس وهذا أرنب! وآخر يلبس بنطالاً ضيقاً على استه حتى يخنقها، ثم يوسع على رجله ويجعله متراً من تحت. ما به؟ قال: هذا (شارل استون) . ما هذا؟! من قدوة هؤلاء الضالين الضائعين -والعياذ بالله-؟! رأيت مسابقات يجرونها الآن في العالم تُضْحِك، قبل أيام سمعنا واحداً أُجريت له مسابقة، وحقق رقماً قياسياً في الضحك، مكث ساعة يضحك، حتى آلم فمه وهو يضحك .. وإذا وقف، قالوا: اضحك أو اخرج من المسابقة. أهولاء يعيشون في سعادة؟! وآخر أجريت له مسابقة في أطول شنب؛ مكث طول حياته ليس همه إلا أن يمسح شنبه، ويسقيه بالمواد الكيماوية، ويسحبه، ويهتم به، حتى كبر، أتدرون كم كبر؟! مترين وأربعين سنتيمتر .. شنب ملفوف! ليس لهم قدوة .. هؤلاء ضالون ضائعون، لكن أنت مربوط بالسماء، وموجَّه إلى شخص كريم، اختاره الله واصطفاه، وجعله رسولاً، وقال للناس: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] فتطلق لحيتك وتعفيها؛ ليس لأنها قضية شعر، ولا ديكور، لا؛ ولكن لأن الرسول أمر بها، وقال: (قصوا الشوارب، وأعفوا اللحى) ولذا هي كريمة عندك، لا لكرامة الشعر، ولكن لكرامة الآمر بها والذي حثك عليها، وتموت وتُقطع رقبتك ولا تقطعها، لماذا؟ لحبك لمن أمر بها صلوات الله وسلامه عليه؛ لكن حينما تهون محبة الرسول في قلبك تهون لحيتك عليك، وتحلقها بنقود عليها، وتدع الحلاَّق يَرْصَعها وعينك تنظر، بل بعضهم يحلق في الحمام، وتذهب لحيته مع الكرسي! أين كرامة الإنسان؟! أين كرامة الرسول صلى الله عليه وسلم في قلوبنا؟! وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] إن أعظم ما رحم الله به العباد هو: بعثة هذا الرسول، وإنزال هذا الكتاب الكريم.

أعلى الصفحة

صرف السيئات عن عباده المؤمنين وتوفيقهم للطاعات

ومن مظاهر رحمته تبارك وتعالى بالأمة، وبالمؤمن على وجه الخصوص: أن يصرف الله عنك السيئات، بحيث يوفقك للطاعة، ويصرف عنك السيئة. ويجعل عينك هذه عيناً طاهرة؛ إذا رأت المرأةَ تغُضُّ. ويجعل أذنك أذناً نظيفة؛ إذا سَمِعَتِ الأغنيةَ تغلقُ. ويجعل لسانك لساناً طاهراً؛ لا يتكلم إلا بذكر الله، وبالعمل الصالح، وبالكلمة الطيبة، لا يلعن، ولا يسب، ولا يشتم، ولا يغتاب، ولا يكذب، ولا يحلف، ولا ..، لسانك لا يقول إلا خيراً. ويجعل يدك هذه نظيفة عفيفة؛ لا تمتد إلا إلى الفضائل ومعالي الأمور. ويجل رجلك هذه طاهرة؛ لا تحملك إلا إلى المسجد والطاعة والعمل الصالح. ويجعل فرجك طاهراً نظيفاً؛ لا يقع إلا فيما أحل الله له. ويجعل بطنك هذه نظيفة؛ لا يدخله إلا ما أحل الله. ويجعلك كلك من أولك إلى آخرك على الطاعات، ويمنعك من السيئات، هذه رحمة أم ليست رحمة؟! نعم رحمة. اسمعوا ماذا يقول الله عزَّ وجلَّ عن الملائكة: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا [غافر:7] هؤلاء الملائكة في السماء، وأنت جالس هنا، وهم يستغفرون لك في السماء .. فاغفر لمن؟ لمن توفرت فيهم صفتين: لِلَّذِينَ تَابُوا [غافر:7] وبعد التوبة؟ وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ثم تقول الملائكة: وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ [غافر:7-9] تطلب الملائكة من الله أن يقيك السيئات، وأن يصرف عنك المعاصي والذنوب: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:9] . هذا هو الفوز العظيم، أن يقيك الله السيئات، وتصبح آلِيَّ العبادة والطاعة، كأنك مركب على أزرار؛ من بيتك إلى مسجدك إلى عملك، إذا رأيت معصية تهرب منها، وإذا رأيت طاعة تقبل إليها، فأنت من رحمك الله، وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:9] أي: الذي ما وقاه الله السيئات ما رحمه الله، وما ناله نصيب من رحمة الله، فمن الناس من لا يعرف الطاعات أصلاً، ولا يتعرض للطاعات، وإنما هو واقع في المعاصي والسيئات منذ أن تستيقظ عينه حتى تنام، فهو يستيقظ على معصية الله، وينام على معصية الله؛ يستيقظ ويده على السيجارة، يحسب الباكت، يبحث عنه وهو ما زال مُغْمِضاً عينيه، من أجل أن يشعل الدخان، ويستيقظ ويده على مؤشر الراديو لكي يستفتح النهار بأغنية، أو على الشريط، وعندما يركب السيارة يشغل الأغنية، فيذهب إلى العمل على الباطل، ويمشي في الشارع على الباطل .. حياته كلها معاص في معاص؛ لأنه حُرِم من رحمة الله عزَّ وجلَّ. إذاً: يا أخي الكريم: تعرَّض لرحمة الله عن طريق فعل الطاعات وترك السيئات، وهذه تقتضي منك مجاهدة؛ لأنك إذا جاهدت نفسك في ترك المعاصي، والابتعاد عن السيئات، وممارسة الطاعات، فكأنك تستمطر رحمة الله؛ يا ربِّ هات رحمة منك، وأنت مأمور بهذا، لكن عندما تأتي الطاعة إليك فتقول: لا، وتُعْرَض عليك المعصية فتقول: هيا، فكأنك ترد رحمة الله، وتستمطر غضب الله ولعنته وسخطه في الدنيا والآخرة. كما قال الله تبارك وتعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران:132] .

أعلى الصفحة

من مظاهر رحمة الله: سماع القرآن الكريم

أيضاً: من مظاهرها: سماع القرآن:- وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] . فإذا سمعت القرآن فأنت مُعَرَّض لرحمة الله تبارك وتعالى. رحمة الله عزَّ وجلَّ ليست مختصة بفئة؛ ولكنها على عباده تسعهم، وبها يقوم وجودهم وكيانهم، وهي تتجلَّى في كل مظهر من مظاهر حياتهم .. ومن مظاهر وجودهم على هذه الحياة:

أعلى الصفحة

من مظاهر رحمة الله: مجازاة الله عز وجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت