فهرس الكتاب

الصفحة 9590 من 9994

إذاً فالغاية الأولي والهدف الأسمى من صيام رمضان هو إعداد القلوب للتقوى ومراقبة إعداد القلوب للتقوى ومراقبة الله لخشية الله فالصوم يجعل القلوب لينة رقيقة يجعلها ذات شفافية وحساسية يجعلها وجلة حية فالصوم يوقظ القلوب فإذا فسد الناس في زمن من الأزمان فإن صلاحهم لا يكون بالتشدد والتنطع بل يبدأ الصلاح بإعداد القلوب وبث حرارة الإيمان فيها وخوف الله ومراقبته فالإسلام، الإسلام لا يقود الناس بالسلاسل إلي الطاعات إنما يقودهم بالتقوى ومراقبة الله والخوف منه ومن أعظم ثمار الصيام تربية القلوب على مراقبة الله وتعويدها على الخوف والحياء منه يقول [القسطلاني] رحمه الله معدداً لثمرات الصوم يقول منها رقة القلب وغزارة الدمع وذلك من أسباب السعادة فإن الشبع مما يذهب نور العرفان ويقضي بالقسوة والحرمان انتهى كلامه رحمه الله إذاً ما علاقة الأكل والشراب بالتقوى فالأكل والشرب للبطن والتقوى مكانها القلب فما دخل ذا بذا اسمع رعاك الله اسمع للإجابة أليس كثرة الطعام والشراب لها أثر كبير على فساد القلب وغفلته فالبطنة تذهب الفطنة كما يقال والشبع يقسي القلب ويعميه والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول"ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه"كما في الترمذي وحسنه وقال [عمرو بن قيس] إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب وقال [الحارث بن كلدة] الطبيب العربي المشهور: الحمية رأس الدواء والبطنة رأس الداء وقال [سفيان الثوري] : إن أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل ولذلك فإن تقليل الطعام والشراب ومباشرة النساء ينور القلب ويوجب رقته ويزيل قسوته فالصيام فيه كسب للنفس وتخلية القلب للذكر والفكر والصيام يضيق مجارى الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فتسكن بالصيام وساوس الشيطان وتنكسر ثورة الشهوة والغضب واسمع لأهل التجارب والخبرات ممن عاشوا في عالم الروحانيات فقد روي عن [ذي النون المصري] رحمه الله وهو العبد الصالح أنه قال: تَجَوَّعْ بالنهار وقم بالأسحار ترى عجباً من الملك الجبار وقال [يحيى بن معاذ] : من شبع من الطعام عجز عن القيام فعل عرفت أيها الأخ الحبيب بعد هذا كله علاقة الشراب والطعام بالتقوى معاشر الصائمين والصائمات إن الإمساك عن الطعام والشراب في رمضان ليس هدفاً في ذاته بل هو وسيلة لرقة القلب وانكساره وخشيته لله ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"كما في البخاري وقال أيضاً ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"ليس الصيام من الطعام والشراب إنما الصيام من اللغو والرفث"رواه [ابن خزيمة] وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم فهل الهدف من صيام رمضان واضح لك الآن هذه حقيقة الصيام فلا تحرم نفسك منها أيها الأخ أما إن كان الأمر ترك الشراب والطعام فما أهون الصيام ولكن إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم وجماع ذلك خوف القلب من الله ومراقبته وإلا فتنبه واحذر فربما دخلت في قول الرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر"نعوذ بالله من حال هؤلاء والحديث أخرجه النسائي وابن ماجة والحاكم وابن حبان وقال صحيح على شرط البخاري، إذاً فليس رمضان إمساكاً عن الطعام والشراب فقط وسجوداً أو ركوعاً والقلب هو القلب قاسٍ عاصٍ غافل عن الله الغناء يطرب الآذان وللعينين أطلق العنان واللسان كذب وغش وغيبة ونميمة وسب ولعان وصدق من قال إذا لم يكن للسمع مني تصاون وفي البصر غضٌ وفي منطقي صمت فحظي إذاً من صومي الجوع والظمأ فإن قلت إني صمت يومي فما صمت فَأُفٍّ ثُمَّ تُف لنفوس لم يهذبها الجوع ولم يدربها السجود والركوع فالصيام تدريب للنفوس وتعويد لها على الصبر وترك الشهوات يدخل رمضان ويخرج وبعض النفوس لم تتغير يجوع ويعطش وقلبه هو قلبه ومعاصيه هي معاصيه وربما يركع ويسجد ويسهر ويتعب وحاله هي حاله ولسانه هو لسانه نعوذ بالله من حال هؤلاء فلو قيل لأهل القبور تمنوا لتمنوا يوماً من رمضان وهؤلاء كلما خرجوا من ذنب دخلوا في آخر بل ربما لا تحلو لهم الشهوات والتفنن في المعاصي والسيئات إلا في شهر رمضان والله المستعان يا هؤلاء أنتم في رمضان شهر التوبة والغفران يا هؤلاء فيه تغلق أبواب النيران وتفتح الجنان وتصفد الجان فدونك نفسك أيها الإنسان يا هؤلاء أما تنفعكم العبر أما عصيتم وستر اعرفوا قدر من قدر فقد آن الرحيل وأنتم على خطر لكن عند الممات يأتيكم الخبر نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل.

قال [ابن رجب] رحمه الله كل قيام لا ينهي عن الفحشاء والمنكر لا يزيد صاحبه إلا بعداً ، كل صيام لا يصان عن قول الزور والعمل به لا يورث صاحبه إلا مقتاً ورداً يا قوم أين آثار الصيام أين أنوار القيام

إن كنت تنوح يا حمام البانِ

للبين أين شواهد الأحزانِ

أجفانك للدموع أم أجفاني

لا تقبل دعوة بلا برهانِ

انتهي كلامه رحمه الله أيها الاخوة والأخوات ليس الصيام في الإسلام تعذيب النفوس لا والله بل هو لتربيتها وتزكيتها ولينها ورقتها فالقرآن يعلمنا أن الصوم إنما فرض لنذوق طعم الإيمان ونشعر براحة القلب وسعادة النفس ولذة الحياة وكل ذلك في مراقبة الله والخوف منه فتقوى الله تقوى الله أعظم كنز يملكه العبد في الدنيا وليس أشقى والله على وجه الأرض من يحرمون طمأنينة الأنس بالله بتقوى الله .

وقد يقول قائل كيف نصل للهدف أو كيف تحصل ثمرة الصيام؛ تقوى الله

فأقول:

علاقة الصيام بتقوى الله تظهر من وجوه كثيرة فأرعني سمعك وانتبه لهذه الأسئلة أقول لك ألا يمكن وأنت صائم في نهار رمضان أن تختفي عن أعين الناس فتأكل وتشرب وتفعل ما تشاء لا يعلم بك أحد من الناس ولا تطلع عليك عين من عيون الخلق إذاً اسأل نفسك ما الذي يمنعك ما الذي يردك؟

لأنك تعلم أن الله يراك ومطلع عليك ويعلم ما تخفي وما تعلن

أيها الأخ الحبيب ايتها الأخت أليس في هذا تربية للقلب وارتباطاً بخالقه وخوفه وخشيته منه أليس من صام بمثل هذه المعاني وبمثل هذه المشاعر ازداد صلة بالله وخشية وخوفاً من الله وازداد تذوقاً لصيام رمضان وراحة للنفس والبال وهذا أعظم زاد للروح فالصوم أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه إلا الله، فهو سر بينك وبين ربك سر بين العبد وربه ولولا استشعاره لرقابة الله وأنه يراه لما صبر عن هذه الشهوات

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل

خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة

ولا أن ما تُخْفِي عليه يغيب

لهونا لعمر الله حتى تتابعت

ذنوب على آثارهن ذنوب

فياليت أن الله يغفر ما مضى

ويأذن في توباتنا فنتوب

سؤال ثان: عن الوضوء للصلاة وفى المضمضة والاستنشاق لماذا تحرص أيها الأخ الحبيب كل الحرص ألا يفوت إلى حلقك قطرة ماء؟ لماذا كل هذا الحرص مع أنه لا يطلع عليك أحد من الناس ولا يعلم بك أحد ، لو أدخلت جرعة ماء فكيف بقطرة كيف بقطرة سبحانه ،الله من علمك هذا الأدب؟ من علمك هذا الحرص العجيب ، إنها رقابة الله فأنت على يقين أنه يرى قطرة الماء هذه لو سالت إلى حلقك فيا سبحان الله أي تربية عظيمة وأي أدب جم مع الله هذا الذي أحدثه الصيام في قلبك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت