فهرس الكتاب

الصفحة 9835 من 9994

فى الصحيحين من حديث أنس أنه قال: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) ) ( [3] ) .

وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال، فقال: إنى أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) ) ( [4] ) . هل فكرت في هذا الحديث النبوى الشريف ؟!! يومٍ تدنو الشمس من الرؤوس، والزحام وحده يكاد يخنق الأنفاس، فالبشرية كلها - من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه الساعة - في أرض المحشر، وجهنم تزفر و تزمجر، قد أُتِىَ بها (( لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ) ) ( [5] ) فى ظل هذه المشاهد التى تخلع القلب، ينادى الله عز وجل على سبعة ليظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله - سبحانه وتعالى - ضمن هؤلاء السبعة السعداء: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، يالها ورب الكعبة من كرامة!!

وفى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته، ملكاً فلمَّا أتى عليه قال: أين تريد؟ فقال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبّها؟ قال: لا. غير أنى أحببته في الله عز وجل، قال: فإنى رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ) ) ( [6] )

وفى موطأ مالك وأحمد في مسنده بسند صحيح، والحاكم ،وصححه ووافقه الذهبى أن أبا إدريس الخولانى رحمه الله قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى شابٌ برَّاق الثَّنايا والناس حوله فإذا اختلفوا في شىء أسندوه إليه، وصدروا عن قوله و رأيه. فسألت عنه؟ فقيل: هذا معاذ بن جبل فلما كان الغد هجَّرت، فوجدته قد سبقنى بالتهجير، ووجدته يصلى، فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قِبَل وجهه، فسلَّمت عليه. ثم قلت: والله إنى لأحبُّك في الله، فقال: آلله؟ فقلت: آلله. فقال: آلله؟ فقلت: آلله. فقال: آلله؟ فقلت: آلله. قال: فأخذ بحبوة ردائى، فجبذنى إليه، وقال: أبشر، فإنى سمعت رسول يقول: (( قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتى للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ ) ) ( [7] )

وفى الحديث الذى رواه مسلم وأبو داود أنه قال: (( والذى نفسى بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم ) ) ( [8] ) .

فسلم على أخيك بصدق وحرارة، لا تسلم سلاماً باهتاً بارداً لا حرارة فيه.

إننا كثيراً لا نشعر بحرارة السلام واللقاء ولا بإخلاص المصافحة. . لا نشعر أن القلب قد صافح القلب

ففى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة قال عليه الصلاة والسلام: (( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ) ) ( [9] ) .

قال الخطابى: فالخَيِّر يحنو إلى الأخيار والشرير يحنو إلى الأشرار هذا هو معنى ما تعارف من الأرواح ائتلف، وما تنافر وتناكر من الأرواح اختلف، لذا لا يحب المؤمن إلا من هو على شاكلته من أهل الإيمان والإخلاص، ولا يبغض المؤمن إلا منافق خبيث القلب، قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [ مريم: 96 ] .

أى يجعل الله محبتة في قلوب عباده المؤمنين، وهذه لا ينالها مؤمن على ظهر الأرض إلا إذا أحبه الله ابتداءً. كما في الصحيحين من حديث أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إنى أحب فلاناً، فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم يُنادى في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء. قال ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إنى أُبغض فلاناً فأبغضه فقال: فيبغضه جبريل ثم يُنَادى في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه. قال: فيبغضونه. ثم توضع له البغضاء في الأرض ) ) ( [10] )

أيها الأحباب الكرام:

المرء يوم القيامة يحشر مع من يحب، فإن كنت تحب الأخيار الأطهار ابتداءً من نبيك المختار وصحابته الأبرار والتابعين الأخيار، وانتهاء بإخوانك الطيبين فإنك ستحشر معهم إذا شاء رب العالمين، وإن كنت تحب الخبث و الخبائث وأهل الفجور واللهو واللعب كنت من الخاسرين فتحشر معهم إذا شاء رب العالمين.

ففى الصحيحين من حديث أنس بن مالك: (( أن رجلاً سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الساعة. فقال: يا رسول الله متى الساعة. قال: (( وما أعددت لها؟ ) ). قال: لا شىء، إلا أنى أحب الله ورسوله. فقال: (( أنت مع من أحببت ) )قال أنس: فما فرحنا بشىء فرحنا بقول النبى: (( أنت مع من أحببت ) ). قال أنس فأنا أحب النبى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بُحبِّي إياهم وإن لم أعمل بعملهم )) ( [11] ) .

نحن نشهد الله أننا نحب رسول الله وأبا بكر، وعمر، وعثمان وعليّ وجميع أصحاب الحبيب النبي، وكل التابعين لنهجه وضربه المنير، ونتضرع إلى الله بفضله لا بأعمالنا أن يحشرنا معهم جميعاً بمنّه وكرمه، وهو أرحم الراحمين.

ولله در القائل:

أتحب أعداء الحبيب وتدعى حباً له، ما ذاك في الإمكان

وكذا تعادى جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان

إن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصانِ

فلئن ادعيت له المحبة مع خلاف ما يحب فأنت ذو بهتان

لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفرُ

وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصرُ

فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هناك تذكرُ

مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر

وتخضع بالتوحيد بين ظهورهم تدعوهم لذاك وتجهر

من السُّنَّة إذا أحب الرجل أخاه أن يخبره كما في الحديث الصحيح الذى رواه أبو داود من حديث المقدام بن معد يكرب أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا أحب الرجل أخاه فيلخبره أنه يحبه ) ) ( [12] ) .

وفى الحديث الذى رواه أبو داود من حديث أنس: أن رجلاً كان عند النبي فمر به رجل فقال: يا رسول الله! إنى لأحب هذا. فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: (( أعلمته؟ ) )قال: لا. قال: (( أعلمه ) )قال: فلحقه، فقال: إنى أحبك في الله. فقال: أحبك الذى أحببتني له ( [13] ) .

وفى الحديث الذى رواه أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث معاذ بن جبل أن النبي أخذ بيده وقال: (( يا معاذ والله إني لأحبك ((

فقال معاذ: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، فوالله إنى لأحبك. فقال: (( أوصيك يا معاذ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك ) ) ( [14] ) .

وامتثالاً لأمر النبى صلى الله عليه وسلم الكريم ،فإنى أشهد الله أنى أحبكم جميعاً في الله، وأسأل الله أن يجمعنى مع المتحابين بجلاله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

أقول قولى هذا، و أستغر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت