فهرس الكتاب

الصفحة 9837 من 9994

فمن حق المسلم على المسلم إن استطاع أن يعينه في أمر من أمور الدنيا أن لا يبخل عليه، فأنت يا مسلم لئن مشيت في حاجة أخيك المسلم أفضل عند الله تعالى من أن تعتكف في المسجد شهراً وثبت الله قدمك يوم تزل الأقدام.

وفى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه... ) ) ( [9] ) .

فيا أخى المسلم، يا منْ منَّ الله عليك بمنصبٍ أو جاه. إن استطعت أن تنفع إخوانك فافعل ولا تبخل، وبالمقابل يجب على المسلمين، أن لا يكلفوا إخوانهم بما لا يطيقون، وإن كلفوهم فعجزوا فليعذروهم قال تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [ البقرة: 286 ] .

وما أجمل أن يقول الأخ لأخيه: أسأل الله أن يجعلك مفتاح خير، وهذه حاجتى إليك، فإن قضيتها حمدت الله ،ثم شكرتك، وإن لم تقضها لى حمدت الله ثم عذرتك، هذه هى الأخوة.

الحق الخامس: بذل النصيحة بصدق وأمانة.

ففى صحيح مسلم من حديث تميم الدارى أن رسول الله قال: (( الدين النصيحة ) )قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: (( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) ) ( [10] ) .

لكن أتمنى من الله أن يعي إخوانى الضوابط الشرعية للنصيحة.

قال الشافعى: من نصح أخاه بين الناس فقد شانه، ومن نصح أخاه فيما بينه وبينه فقد ستره وزانه.

الناصح الصادق: رقيق القلب، نقى السريرة، مخلص النية، يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإن رأى أخاه في عيب دنا منه بحنان، وتمنى أن لو ستره بجوارحه لا بملابسه، ثم قال له حبيبى في الله. ثم يبين له النصيحة بأدب ورحمة ،وتواضع ،فلتُشْعِر أخاك وأنت تنصحه: بحبك له، وبتواضعك وخفض جناحك له، فقد سطر الله في كتابه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ … [ الفتح: 29 ] .

جلس رجل في مجلس عبد الله بن المبارك فاغتاب أحد المسلمين، فقال له عبد الله بن المبارك: يا أخى هل غزوت الروم؟! قال: لا. قال: هل غزوت فارس؟! قال: لا. فقال عبدالله بن المبارك: سلم منك الروم وسلم منك فارس، ولم يسلم منك أخوك!!

والذى بُذِلَ له النصيحة عليه أن يحسن الظن بأخيه الناصح ولا تأخذه العزة بالإثم، وأن يتقبلها منه بلطف، وأدب، وتواضع، وحب، ويشكره عليها، ويدعو له بظاهر الغيب.

ورحم الله من قال: رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي.

الحق السادس: التناصر

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله أنصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ فقال: (( تأخذ فوق يديه ) ) ( [11] ) .

انصر أخاك في كل الأحوال، إن كان ظالماً خذ بيده عن الظلم، وإن كان مظلوماً وأنت تملك أن تنصره انصره، ولو بكلمة، وإن عجزت فبقلبك، وهذا أضعف الإيمان.

الحق السابع: أن تستر عيب أخيك المسلم وتغفر له زلاته:

وهذا من أعظم الحقوق: فالأخ ليس مَلَكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، فإن زل الأخ في هفوة فهو بشر، فاستر عليه

قال العلماء: الناس صنفان. صنف اشتهر بين الناس بالصلاح والبعد عن المعاصى، فإن زل ووقع وسقط في هفوة من الهفوات على المسلمين أن يستروا عليه، ولا يتبعوا عوراته.

ففى الحديث الصحيح الذى رواه أحمد وأبو داود من حديث أبى برزة الأسلمى أنه قال: (( يا معشر من آمن بلسانه، ولما يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عوراتهم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه في بيته ) ) ( [12] ) .

نسأل الله أن يسترنا وإياكم بستره الجميل.

والصنف الثانى من الناس: يبارز الله بالمعاصى ويجهر بها، ولا يستحى من الخالق، ولا من الخلق، فهذا فاجر، فاسق، لا غيبة له.

وأخيراً: الطريق إلى الأخوة.

وأنا أعتقد اعتقاداً جازماً أن الطريق قد وضع في ثنايا المحاضرة، ولكننى أجمل هذا الطريق في خطوتين اثنتين لا ثالثة لهما.

أما الخطوة الأولى: العودة الصادقة إلى أخلاق هذا الدين.

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فلنعد إلى هذه الأخلاق السامية التى ينفرد بها الدين الإسلامى لتعود لنا الأخوة الصادقة في الله، تعود الأخوة الحقيقة. لتلتئم الصفوف، وتضمد الجراح، وتلتقى الأمة على قلب رجل واحد.

فوالله ثم والله لا ألفة، ولا عزة، ولا نصرة، ولا تمكين، إلا بالعودة الصادقة إلى أخلاق هذا الدين، وإن شئت فقل العودة الصادقة إلى أخلاق سيد المرسلين، فلقد لخصت عائشة رضي الله عنها أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم في كلمات قليلة ولكنها عظيمة فقالت: (( كان خلقه القرآن ) ) ( [13] ) نعم والله إنه كان قرآناً يمشيعلى الأرض في دنيا الناس.

أيها الأحبة: قد يكون من اليسير جداً -كما أقرر دائماً - تقديم منهج نظري في التربية والأخلاق، بل إن المنهج هذا موجود بالفعل وسُطِّر في بطون الكتب والمجلات، ولكن هذا المنهج لا يساوى قيمة الحبر الذى كتب به، إن لم يتحول في حياة الأمة مرة أخرى إلى واقع عملى وإلى منهج حياة فإن البون شاسع بين منهجنا المنير المضىء ووقعنا المر المرير الأليم.

الخطوة الثانية: نتحرك لدعوة المسلمين إلى هذه الأخلاق بالحكمة والموعظة الحسنة.

بعد أن نحوِّل هذه الأخلاق النظرية إلى واقع عملى منير مضىء في حياتنا يجب علينا بعد ذلك أن نتحرك لدعوة المسلمين إلى هذه الأخلاق بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة، والكلمة الرقيقة الرقراقة، والرفق والحلم، فهذا هو مقام دعوة الناس إلى الله في كل زمان ومكان قال الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] .

وقال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ آل عمران: 159 ] .

أسأل الله أن يربط قلوبنا برباط وثيق رباط الحب في الله، حتى نعود مرة أخرى إلى عزتنا وكرامتنا وسيادتنا وتتحقق السنن الربانية فينا بحوله ومدده إنه ولي ذلك والقادر عليه.

-1- رواه البخاري رقم ( 3781 ) فى مناقب الأنصار ، باب إخاء النبي بين المهاجرين والأنصار ، ومسلم رقم ( 1427 ) في النكاح ، باب الصداق ، وجواز كونه تعليم القرآن وخاتم حديد ، والموطأ ( 2/ 545 ) في النكاح ، وأبو داود رقم ( 2109 ) ، والترمذي رقم ( 1094 ) ، والنسائي ( 6/ 119 ، 120 ) .

( [2] ) رواه أبو داود رقم ( 4681 ) فى السنة ، باب الدليل على زيادة الإيمان ، وأخرجه أيضاً أحمد في المسند ( 3/ 438 ) ، وهو في صحيح الجامع ( 5965 ) .

( [3] ) رواه البخاري رقم ( 16 ) في الإيمان ، باب حلاوة الإيمان ، ومسلم رقم ( 43 ) في الإيمان ، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان .

( [4] ) رواه البخاري ( 1423 ) في الزكاة ، باب الصدقة باليمين ومسلم ( 1031 ) في الزكاة باب فضل إخفاء الصدقة ، والموطأ ( 2/ 952 ) في الشعر ، باب ما جاء في المتحابين في الله ، والترمذى رقم ( 2392 ) في الزهد ، والنسائي ( 8/ 222 ، 223 ) في القضاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت