خالد بن الوليد نشأ في بيئة غنية مترفة فلك أن تعلم أيها الأخ الفاضل أن والد خالد هو الوليد بن المغيرة الذى كان أغنى أبناء زمانه بلا نزاع فهو الذى توعده الله في قرآنه بسورة المدثر بقوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} (11 ، 17) سورة المدثر
إلى أخر الآيات من هذا الرجل إنه والد خالد بن الوليد، الوليد بن المغيرة في هذه البيئة الغنية نشأ خالد لكنه راض وعود نفسه على الرجولة والفروسية والخشونة والبطولة، فكان يترك هذه البيئة، ليركب فرسه وجواده ليشق به الوديان وليصعد به الجبال والقمم حتى صار فارساً لا يشق له غبار إلا أنه في الوقت ذاته ورث الكره الشديد للإسلام عن أبيه فخالد هو قائد الميمنة في غزوة أحد هو الذى باغت الرماة الذين خالفوا أمر رسول الله مباغتة أذهلتهم بل وأذهلت المسلمين بل وتشتت الجمع والشمل وتحول النصر إلى هزيمة حتى جرح المصطفى صلى الله عليه وسلم وشق وجهه وكسرت رباعيته ودخلت حلقات المغفر في وجهه الشريف .
جديداً مع المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة وانظر إلى فضل الله على خالد بعد ثلاثة أشهر فقط، أو أقل يخرج خالد بن الوليد للمرة الأولى جندياً في كتائب التوحيد والإيمان بعد أن كان من ثلاثة اشهر فقط قائداً من قواد جيش الشرك والضلال إلى أين لمناطحة الصخور الصماء.. أين في بلاد الشام في غزوة مؤتة لمقابلة الروم الى يغبرون من آن لآخر على حدود الدولة الإسلامية.
وأمر سيد البشرية الجيش أن يذهب إلى هناك ليؤدب الروم والقبائل التى والت الروم، وقام المصطفى صلى الله عليه وسلم بنفسه ليختار قواد الجيش الإسلامى كما في صحيح البخارى في كتاب المغازى من حديث ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر على الجيش في غزوة مؤته زيد بن حارثة.
أسمع للمصطفى حين قال:"إن قتل زيد فجعفر بن أبى طالب".. ما ينطق عن الهوى .."فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" ( [2] ) وانطلق الجيش وحينما وصل الجيش الإسلامى الذى لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل حينما وصل الجيش الإسلامى إلى أرض المعركة.
وجد الجيش نفسه أمام جيش جراز يزيد على مائة ألف مقاتل فتردد الصحابة في القتال. فقال الشهيد الطيار صاحب السرير الذهبى الشاعر الشهيد عبد الله بن رواحة القائد الثالث لما رأى الصحابة قد ترددوا لهذه الكثرة المرعبة في جيش الروم، فقال كلمات حركت القلوب ماذا قال عبد الله بن رواحه قال: يا قوم والله إن التى تكرهون التى خرجتم تطلبون - إنها الشهادة وما نقاتل عدونا بعتاد وعدد، وإنما نقاتل عدونا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنها إحدى الحسنيين إما نصر وإما شهادة.
فانطلق الجيش وتلاحم الجيش الإسلامى مع جيش جرار رهيب يزيد على مائة ألف فارس، ودارت معركة رهيبة وتتابع سقوط الشهداء، وقتل القائد الأول كما أخبر الصادق الذى لا ينطق عن الهوى قتل زيد بن حارثة، وقبل ان يسقط اللواء التقطه جعفر بن أبى طالب، ولكن الروم كثرة فقطع الروم يمين جعفر فالتقط اللواء بشماله، فقطعوا شماله فالتقط اللواء وضمه بعضديه حتى لا يسقط فطعنوه في صدره، فسقط اللواء وسقط خيار الشهداء.
لكن عبد الله بن رواحة التقط اللواء من على الأرض سريعاً ورفعه عالياً. وراح ليذكر نفسه وإخوانة بالجنة، ولكنه قتل هو الآخر، وسقط اللواء للمرة الثالثة، فأسرع على اللواء صحابى جليل مبارك إنه ثابت بن أقرم وأرضاه، فالتقط اللواء من على الأرض، وظل ينادى: يا أبا سليمان يا أبا سليمان .. من أبو سليمان غنه الفارس العنيد، إنه البطل الرشيد إنه خالد ابن الوليد: يا أبا سليمان خذ اللواء انظروا إلى أدب خالد وتواضعه قال: لا . أنت أحق به منى يا ثابت فأنت أقدم إسلاماً، وقد شهدت بدراً مع رسول الله حتى في هذه اللحظات يعرف أهل الفضل لذوى الفضل في ساحة الوغى، وميدان البطولة والشرف وحينما تصمت الألسنة الطويلة وتخطب السيوف والرماح على منابر الرقاب لا ينسى الفضل لأهل الفضل ذر الفضل فيقول خالد: لا. أنت أولى به منى يا ثابت، فأنت أكبر سنا منى وأنت ممن شهد بدراً مع رسول الله.
فقالت ثابت بن أقرم: لا ياخالد، والله ما أخذت اللواء إلا لك فأنت أدرى بالقتال منى ثم صرخ ثابت بن أقرم في الجيش الإسلامى وقال: أيها المسلمون أتقبلون إمرة خالد بن الوليد، فهتف المسلمون جميعاً على لسان وقلب رجل واحد: اللهم نعم لقد رضينا إمرة خالد بن الوليد، فالتقط اللواء خالد بن الوليد واعتلى العبقرى جواده ورفع اللواء بيمينه إلى الإمام كأنما يفتح أبواباً مؤصدة مغلقة آن لها يإذن الله أن تفتح، وفى سرعة خاطفة في ظلام الليل فعل خالد بن الوليد العجب العجاب.
لقد تولى خالد إمرة الجيش بعدما تحدد مصير المعركة بالفعل قتل القادة الثلاثة وانتهت المعركة يقيناً. وكانت المفاجأة المذهلة والكرامة الكريمة التى تنتظر عظيماً ليحققها هى أن يوقف الخسائر المذهلة في الجيش الإسلامى، وأن يؤمن انسحاباً لأفراد الجيش بلغة العسكرين هذا قمة النصر.
وفى ظلام الليل اعتلى العبقرى بجواده ربوة عالية وألقى بعينين ثاقبتين كعينى الصقر نظرة فاحصة سريعة على أرض الميدان وعاد ليغير الموقف بأكمله فجعل الميمنة في الجيش في الميسرة وجعل الميسرة في الميمنة وجعل المقدمة في المؤخرة وقدم الساقة أى: المؤخرة إلى المقدمة، وغير الأعلام وأمر طائفة أخرى من الجيش أن تتأخر فإذا بزغ نور الصباح أمرها أن تثير غباراً وتراباً، ليتصاعد الغبار إلى عنان السماء وأمرهم أن يحدثوا صياحاً وجلبة وضجيجاً وصراخاً فلما بدأت المعركة في الصباح رأى الروم وجوهاً غير الوجوه وأعلاماً غير الأعلام ورأوا غباراً ملأ السماء يرتفع إلى عنان السماء فظن الروم أن جيشاً ومدداً جديداً قد أتى من المدينة للجيش الإسلامى فقذف الله الرعب في قلوبهم ففروا من الميدان واستطاع خالد بن الوليد الفارس العنيد أن يفتح ثغرة وسط هذه الكتلة الهائلة من جيش الروم.
لقد روى البخارى أن خالد بن الوليد تحطم في هذا اليوم في يده تسعة أسياف، تسعة اسياف تحطموا في يد خالد واستطاع هذا العملاق العبقرى أن يفتح ثغرة في قلب هذا الجيش الرومى الهائل، وأن يؤمن انسحاباً للجيش الإسلامى حتى نجا بفضل الله المؤمنون ثم بعبقرية خالد.
وهنالك في المدينة قام المصطفى صلى الله عليه وسلم الذى لا ينطق عن الهوى، فلقد أوحى الله عز وجل له ما حدث فوقف المصطفى صلى الله عليه وسلم في المسجد وعيناه تذرفان بأبى هو وأمى وروحى ونفسى فقال كما في صحيح البخارى من حديث أنس قال:"أخذ الراية زيد بن حارثة فأصيب وأخذها جعفر بن أبى طالب فأصيب وأخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم" ( [3] ) .. فسمى المصطفى صلى الله عليه وسلم نصر خالد فتحاً:"ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم".. يا لها من منقبة عظيمة كريمة جليلة يا له من نيشان يعلقه المصطفى صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة الطاهرة على صدر خالد بن الوليد ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم.