فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 9994

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} سورة آل عمران: 102. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} سورة النساء:1 . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} سورة الأحزاب،:70-71، أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد عباد الله:

أيها المسلمون:

خطورة اللسان أنه سلاح ذو حدين، يأخذ بصاحبه إلى الجنة أو النار واستطالة بعض الألسنة في أعراض المسلمين، قضية عظيمة جدًا؛ وسنتكلم في هذه الجمعة المباركة عن استطالة الألسنة في أعراض العلماء والقدح فيهم وأن ذلك من عظائم الأمور. ونتكلم عن هذا الأمر بسبب ذيوعه وانتشاره بين أوساط بعض المسلمين نسأل الله لنا ولهم الهداية!!.

إن المسيء إلى العلماء والطاعن عليهم بغيًا وعدوًا قد ركب متن الشطط، ووقع في أقبح الغلط؛ لأنه بطعنه في العلماء قد طعن في الدين فهم حملة العلم وورثته.. وهم أئمة الأنام وزوامل الإسلام الذين حفظوا على الأمة معاقد الدين ومعاقله، وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله, الذين قال فيهم الإمام أحمد - رحمه الله: (يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى. يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه) 1. قال ميمون بن مهران - رحمه الله: ( العلماء هم ضالتي في كل بلد، وهم بغيتي إذا لم أجدهم، وجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء) . وقد تواردت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة المطهرة على الإشادة بفضل العلماء، والإشارة إلى علو مقامهم، فمن ذلك قول الله - تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} سورة المجادلة:11. قال ابن عباس - رضي الله عنهما: (يرفع الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات) . وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله وملائكته، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر، ليصلون على معلم الناس الخير".2

والعلماء هم أولوا الأمر الذي أوجب الله طاعتهم لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} سورة النساء: 59. قال ابن عباس - رضي الله عنهما: يعني أهل الفقه والدين وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني دينهم ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فأوجب الله سبحانه طاعتهم على عباده.

وعن أبي الأسود قال: ليس شيء أعز من العلم، وذلك أن الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.3

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون يسوسون الناس في دينهم ودنياهم، ثم بعد ذلك تفرقت الأمور فصار أمراء الحرب يسوسون الناس في أمر الدنيا والدين الظاهر، وشيوخ العلم فيما يرجع إليهم من العلم والدين، وهؤلاء هم أولوا الأمر، وتجب طاعتهم فيما يأمرون به من طاعة الله التي هم أولوا أمرها.4

وقال تلميذه الإمام المحقق ابن القيم - رحمه الله - واصفًا العلماء: هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } سورة النساء: 59.

ورحم الله القائل:

الناس من جهة التمثال أكفاء أبوهم آدم والأم حواء

فإن لم يكن لهم في أصلهم نسب يفاخرون به، فالطين والماء

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء

ولقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - للعلماء منزلة عالية جدًا؛ حيث قال كما في حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا. ولكنهم ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر"5. وإن الواجب على الأمة أن تتأدب مع علماءها، وأن توقرهم وتجلهم.

وانظروا إلى أدب السلف الصالح رحمهم الله - تعالى- مع علمائهم فعن موسى بن يسار قال: كان رجاء بن حيوه وعدي بن عدي ومكحول في المسجد فسأل رجل مكحولًا عن مسألة فقال مكحول: سلوا شيخنا وسيدنا رجاء بن حيوة. وعن عبيد الله بن عمر قال: كان يحيى بن سعيد يحدثنا فيسحّ علينا مثل اللؤلؤ. قال عبيد الله: فإذا طلع ربيعة قطع يحيى حديثه إجلالًا لربيعة وإعظامًا له.6

وقيل لأبي وائل: أيكما أكبر؛ أنت أم الربيع بن خثيم؟ قال أنا أكبر منه سنًا، وهو أكبر مني عقلًا، وجاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل فبينا هو عنده، إذ مر الشافعي على بغلته فوثب أحمد يسلم عليه وتبعه، فأبطأ، ويحيى جالس، فلما جاء قال يحيى: يا أبا عبد الله ما هذا؟ فقال: دع عنك هذا؛ إن أردت الفقه فالزم ذنب البغلة.7

عباد الله:-

لقد سمعنا ورأينا إلى آداب العلماء مع بعضهم البعض وقد طالعنا فيما سلف أحوال السلف الصالح الذين تأدبوا بآداب الشرع الشريف، فإذا أطللنا إطلالة على واقع بعض طلبة العلم في زماننا تمثلنا قول ابن المبارك - رحمه الله:

لا تعرضن بذكرهم مع ذكرنا ليس الصحيح إذا مشا كالمقعدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت