فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إذ ترى أناسًا انسلخوا من أخلاق السلف كما تنسلخ الحية من جحرها، لا يراعون لشيخ حرمة، ولا يوجبون لطالبٍ ذمة، يتوجع أحد الدعاة من أمثال هؤلاء فيصفهم بأنهم، أناس فضوليون، يكثر لغطهم، ويقل عملهم، وتنصبغ مجالسهم بصيغة الغيبة وخشونة الألفاظ، حتى تكون تهورات اللسان أمرًا مستساغًا، وتغتال فضائل المجالس الإيمانية اغتيالًا، ويصبح الداعية المشارك فيها قليل الاحترام لعناصر الرعيل الأول، كثير الجرأة عليها... وليس ذلك عرف المؤمنين أبدًا، ولا سمتهم الذي ورثناه؛ إنما ورثنا الحياء، وعفاف اللسان، واحترام الكبير، وتبجيل السابق، والتأول الحسن، وترجيح العذر، وجمال اللفظ، والاستغفار للذين سبقونا بالإيمان، وتكرار الدعاء للمربي والحادي.8 ويتضجر آخر من مسلكهم قائلًا: (.. حتى إن المتحدث منافي أي مسألة من مسائل العلم لا يعدم مخالفًا له، أو ناقدًا، أو ناقمًا، أو واضعًا اسم المتحدث في ملف صنف فيه الناس أصنافًا، ووصم كل واحد منهم بوصمة تجريح وتشريح) .9
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وعلى آله وصحبه وسلم ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها المسلمون:
إن الجناية على العلماء خرق في الدين، فمن ثمَّ قال الطحاوي في عقيدته: (وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين - أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر- لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) 10.
قال ابن المبارك: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته11 وقال أحمد بن الأذرعي: الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب.12
وقال أبو سنان الأسدي: إذ كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس من يفلح؟!!.13
والطاعنون في العلماء لا يضرون إلا أنفسهم، وهم يستجلبون لها بفعلتهم الشنيعة أخبث الأوصاف { بئس الاسم الفسوقُ بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } . الحجرات: 11. وهم من شرار عباد الله، بشهادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت".14
والطاعنون في العلماء هم مفسدون في الأرض، وقد قال تعالى: { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } . يونس: 81. وهم عرضة لحرب الله - تعالى- القائل في الحديث القدسي:"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"15 وهم متعرضون لاستجابة دعوة العالم المظلوم عليهم، فدعوة المظلوم - ولو كان فاسقًا- ليس بينها وبين الله حجاب، فيكف بدعوة ولي الله الذي قال فيه:"ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه".16
قال الإمام الحافظ أبو العباس الحسن بن سفيان لمن أثقل عليه: ما هذا؟! قد احتملتك وأنا ابن تسعين سنة، فاتق الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة).17
ولما أنكر السلطان على الوزير نظامه في صرف الأموال الكثيرة في جهة طلبة العلم أجابه: (أقمت لك بها جندًا لا ترد سهامهم الأسحار) . فاستصوب فعله، وساعده عليه.18
وقيل: إن أولاد يحيى - أي بن خالد البرمكي- قالوا له: وهم في القيود مسجونين:
يا أبة صرنا بعد العز إلى هذا؟! قال: يا بَنيَّ دعوة المظلوم غفلنا عنها لم يغفل الله عنه19
ونختم هذه الخطبة بقول الحافظ ابن عساكر - رحمه الله - قال: واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم - مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم)20، وقال أيضًا - رحمه الله: ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله - تعالى- قبل موته يموت القلب {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} سورة النور 63.
يا صاحب البغي إن البغي مصرعة فاعدل فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يومًا على جبل لاندك منه أعاليه وأسفله
وفقنا الله لما يحبه ويرضاه، وجعلنا من أهل الخير والصلاح والاستقامة. والحمد لله رب العالمين...
1-اللاالكائي (1/9) .
2-رواه الترمذي وقال (حسن صحيح) .
3-جامع بيان العلم (1/275) .
4-مجموع الفتاوى (11/551) .
5-أخرجه أحمد والدارمي والترمذي
6-مناقب الشافعي للبيهقي (2/252) سير أعلام النبلاء 10/ (86-87) .
7-مناقب الشافعي للبيهقي (2/252) سير أعلام النبلاء 10/86-87.
8-فضائع الفتن بتصرف ص17.
9-صفحات في آداب الرأي ص5.
10-شرح الطحاوية تحقيق الأرناؤوط 2/740.
11-سير أعلام النبلاء (8/408) .
12-الرد الوافر ص197.
13-ترتيب المدارك (2/14-15) .
14-رواه الإمام أحمد وهو محتمل للتحسين، انظر غاية المرام للألباني رقم (434) .
15-روه البخاري.
16-رواه البخاري.
17-سير أعلام النبلاء (14/159) .
18-المنهاج النبوي ص74.
19-سير أعلام النبلاء (9/90) .
20-المعيد في أدب المفيد والمستفيد ص71.