فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وإما أن يشوبه تعظيم الدنيا وطلبها بعمل الآخرة. وقلما ينجوا عمل من شائبة من هذه الشوائب وقد تشوبه جميع الشوائب وتحيط به جميع المفاسد ولا حول ولا قوة إلا بالله. علاج مريض الإخلاص تبين لنا أن من الناس من الإخلاص عندهم ميت وليس حديثنا هنا عنهم. ومن الناس من إخلاصهم مريض قد أصابته العلل والشوائب فهو في أمس الحاجة للعلاج والدواء قبل أن يستفحل المرض وربما أدى إلى وفاة الإخلاص عند صاحبه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فحديثنا عن هؤلاء وعلاجهم لعل الله أن يكتب لنا ولهم الشفاء طبيعة الدواء وقبل الحديث عن العلاج لابد أخي الكريم أن ننبه إلى أمر وهو مرارة هذا العلاج وصعوبة تناوله فأصعب شيء مجاهدة النفس على الإخلاص فالمريد للإخلاص يحمل نفسه على السير على سراط جهنم الذي هو أحد من السيف وأدق من الشعرة و أروغ من الثعبان عليه كلاليب كشوك السعدان لا يعلم قدر كبرها إلا الله قال تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا} وقال تعالى {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ( ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } قال صلى الله عليه وسلم ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي) قال يوسف بن الحسين: أعز شيء في الدنيا الإخلاص وكم أجتهد في إسقاط الرياء من قلبي فكأنه ينبت على لون آخر. قال ابن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد . قال الشيخ محمد المنجد: أي أن الإنسان يستطيع أن يجاهد نفسه فيطول اجتهاده ولكنه يجاهد نفسه فلا يملك طول إخلاصه وحسن نيته فهي أشد تقلباً من القدر إذا استحكمت غليلناً.
نخلص مما سبق أخي الكريم بما يلي:
أن المرض خطير وفتاك والعلاج موجود ومتوفر العلاج مر وعلقم والتعالج صعب وشاق (حفت الجنة المكاره وحفت النار بالشهوات) لكن العاقبة حميدة وعظيمة قال تعالى {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } (محمد: 15. وقال صلى الله عليه وسلم:(( إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من كذا آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن ) )متفق عليه
الجرعة الأولى: تعظيم الله تعالى
وذاك أن تعلم أن الفضل فضله وحده وأن ما من خير في الأرض ولا في السماء إلا هو منّة منه على عباده لا فضل لأحد فيها ومن ذلك الأعمال الصالحة هذه واحدة والثانية أن تعلم عظمة حق الله على عباده وهو أن يعبدوه في كل سكنة وحركة منهم وأن يقصدوه بالعبادة في كل ذلك.
نعم أخي الحبيب إن من فقد الإخلاص أو شي منه فقد نسي الله وتغافل عن عظيم فضله وغفل عن عظيم حقه تعالى. من فقد الإخلاص غفل عن { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ( ) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ( ) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ( ) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} طه: 5-7 لقد غفل عن من قال: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} لقد كافأ فاقد الإخلاص به تعالى غيره وأشركه فيما لا ينبغي إلا له تعالى وهل هناك ظلم أشنع وأقبح من هذا ؟ أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ فتعظيم الله حق تعظيمه هو الطريق إلى الإخلاص والخلاص من هذا الداء وعلى من وجد عنده شي من هذا المرض أن يستشعر عظمة الله تعالى وأن يتعالج بعبادة التفكر في ملكوت السماوات والأرض قال تعالى واصفاً عباده المخلصين {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار}