فهرس الكتاب

الصفحة 1695 من 9994

وقال الحافظ:"يحتمل أن تكون القصة تعددت، ويدل على ذلك المغايرة الواقعة بين روايتي عياض ورجاء, ففي رواية عياض أن المنبر بني بالمصلى، وفي رواية رجاء أن مروان أخرج المنبر معه، فلعل مروان لما أنكروا عليه إخراج المنبر، ترك إخراجه بعد، وأمر ببنائه من لبن وطين بالمصلى، ولا بُعد في أن ينكر عليه تقديم الخطبة على الصلاة مرة بعد أخرى، ويدل على التغاير أيضاً أن إنكار أبي سعيد، وقع بينه وبينه, وإنكار الآخر وقع على رؤوس الناس" (8) .

حكم إنكار المنكر:

يمكن ان يقسم حكم انكار المنكر على حالتين:

1-فرض كفاية: قال الله-تعالى-: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (آل عمران:104) .

1-قال الإمام ابن كثير-رحمه الله-في تفسير هذه الآية:"والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن" (9) .

وقال"ابن العربي"في تفسيره لهذه الآية: في هذه الآية والتي بعدها-يعني- { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } (آل عمران:110) دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة الدين بإقامة الحجة على المخالفين" (10) ."

2-فرض عين: قوله-صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنكُم مُنكَراً فَليُغيَِرُه بيدِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِع فبِلسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقلْبِهِ، وذلك أضْعَفُ الإيمانِ) (11) . دل عموم هذا الحديث على وجوب إنكار المنكر على كل فرد مستطيع علم بالمنكر أو رآه.

قال"القاضي ابن العربي":"وقد يكون فرض عين إذا عرف المرء من نفسه صلاحية النظر والاستقلال بالجدال، أو عرف ذلك منه" (12) .

وقال"ابن كثير":"وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (من رأى منكم منكراً فليغيره...) ثم ساق الحديث (13) ."

وقال النووي:"ثم إنه قد يتعين-يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته, أو ولده, أو غلامه على منكر, أو تقصير في معروف" (14) .

شروط إنكار المنكر:

إنَّ لإنكار المنكر شروطاً يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعرفها ويراعيها عند إزالته للمنكر، حتى لا يقع أثناء تغييره للمنكر في منكر مساوٍ أو أكبر منه، وهذه الشروط هي:

1-التحقق من كونه مُنكراً:

فالمنكر كل ما نهى عنه الشارع سواءً كان محرماً أو مكروهاً، وكلمة المنكر في باب الحسبة, تُطلق على كل فعل فيه مفسدة أو نهت عنه الشريعة، وإن كان لا يُعتبر معصية في حق فاعله, إما لصغر سنه, أو لعدم عقله، ولهذا إذا زنا المجنون, أو هم بفعل الزنا، وإذا شرب الصبي الخمر كان ما فعلاه منكراً يستحق الإنكار، وإن لم يُعتبر معصية في حقِّهما لفواتِ شرطي التكليف وهما البلوغ والعقل.

2-أن يكون المنكر موجوداً في الحال:

وله ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يكون المنكر متوقعاً كالذي يتردد مراراً على أسواق النساء، ويصوب النظر إلى واحدة بعينها، أو كشابِ يقف كل يوم عند باب مدرسة بنات ويصوب النظر إليهن، أو يسأل بكثرة عن كيفية تصنيع الخمر وطريقة تركيبه. فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في هذه الحالات الوعظ، والنصح، والإرشاد، والتخويف بالله-سبحانه وتعالى-من عذابه وبطشه.

الحالة الثانية: أن يكون متلبساً بالمنكر: كمن هو جالس وأمامه كأس الخمر يشرب منه، أو كمن أدخل امرأة أجنبية إلى داره وأغلق الباب عليهما ونحو ذلك، ففي هذه الحال يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الإنكار عليه, ونهيه من ذلك طالما أنه قادر على إزالة المنكر ولم يخف على نفسه ضرراً أو أذى .

الحالة الثالثة: أن يكون فاعل المنكر قد فعله وانتهى منه ولم يبق إلا آثاره، كمن شرب الخمر وبقيت آثاره عليه, أو من عرف أنه ساكن أعزب وخرجت من عنده امرأة أجنبية عنه، ونحو ذلك. ففي هذه الحالة ليس هناك وقت للنهي أو التغيير، وإنما هناك محل للعقاب والجزاء على فعل المعصية. وهذا الأمر ليس من شأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، وانما لمن له ولاية عليه كالوالد أو السلطان .

3-أن يكون ظاهراً من غير تجسس ما لم يكن مجاهراً:

يجب على المسلم أن ينكر المنكر إذا كان ظاهراً وشاهده ورآه، دل على ذلك قوله-صلى الله عليه وسلم-: (من رأى منكم منكراً) فإذا داخله ريبة وشك في منكر خفي مستور عنه، فإنه لا يتعرض له ولا يفتش عنه؛لأن هذا النوع من التجسس المنهي عنه.

4-أن يكون الإنكار في الأمور التي لا اجتهاد فيها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت