فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتسع صدره لقبول الاجتهاد فيما يسوغ فيه الخلاف. وهناك مسائل فرعية ليست من الأصول يختلف فيها الناس كثيراً، وتتباين أقوالهم فيها، وهي في الحقيقة مما يجوز فيه الاجتهاد، فمثل هذه المسائل لا يكفر من خالف فيها، ولا يُنكر عليه؛ لأنها مما وسع الله فيها على عباده ،قال-تعالى-: { وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود: من الآية119) .
أما المسائل التي لا اجتهاد فيها فهي كمن يُخالف ما جاء في كتابِ اللهِ-تعالى- وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، أو ما أجمعت عليه الأمة، أو ما عُلم من الدين بالضرورة، فهذا يُنكر على من أتى به (15) .
تفاوت مسؤولية الناس في إنكار المنكر:
إن الله- عزوجل-أوجب علينا جميعاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلٌ بحسب قدرته، ولكن مما ينبغي التنبيه عليه أن الناس يتفاوتون في هذا الواجب، فالمسلم العامي عليه القيام بهذا الواجب حسب قدرته وطاقته، فيأمر أهله, وأبناءه بما يعلم من أمور الدين التي يسمعها على المنابر, وفي دروس الوعظ.
والعلماء عليهم من الواجب ما ليس على غيرهم، وذلك أنهم ورثة الأنبياء فإذا تساهلوا بهذه المهمة دخل النقص على الأمة، كما حدث لبني إسرائيل.
وأما واجب الحكام في هذه المهمة فعظيم؛ لأن بيدهم الشوكة، والسلطان، والتي يرتدع بها السواد الأعظم من الناس عن المنكر؛ لأن الذين يتأثرون بالوعظ قلة. وتقصير الحاكم بهذه المهمة طامة كبرى، حيث بسبب ذلك يظهر المنكر، ويجترئ أهل الباطل والفسوق بباطلهم على أهل الحق والصلاح (16) .
فيجب على المسلم أن يغير المنكر بحسب طاقته وقدرته, إما بيده، أو بلسانه، أو بقلبه وذلك أضعف الإيمان.
الإنكار باليد أو اللسان له حكمان:
فرض كفاية:
إذا رأى المنكر أو علمه أكثر من واحد من المسلمين وجب إنكاره وتغييره على مجموعهم، فإذا قام به بعضهم ولو واحداً كفى وسقط الطلب عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثم كل من كان يتمكن منه بلا عذر ولا خوف، ودل على الكفاية قوله-تعالى-: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ } آل عمران: 104. والأمة الجماعة، وهي بعض المسلمين.
فرض عين:
أما إذا رأى المنكر أو علمه واحد، وهو قادر على إنكاره أو تغييره، فقد تعين عليه ذلك. وكذلك إذا رآه أو علمه جماعة، وكان لا يتمكن من إنكاره إلا واحد منهم، فإنه يتعين عليه، فإن لم يقم به أثم (17) .
الإنكار بالقلب:
من الفروض العينية التي يُكَلَّف بها كل مسلم، ولا تسقط عن أحد في حال من الأحوال، معرفة المعروف والمنكر، وإنكار المنكر في القلب، فمن لم يعرف المعروف و المنكر في قلبه هلك، ومن لم ينكر المنكر في قلبه دل على ذهاب الإيمان منه. قال ابن مسعود:"هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر" (18) يشير إلى أن معرفة المعروفِ وإنكار المنكر بالقلب فرضٌ لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هَلَكَ (19) .
فإنكار القلب يُخَلِّص المسلم من المسؤولية إذا كان عاجزاً عن الإنكار باليد أو اللسان. قال ابن مسعود-رضي الله عنه-:"يوشك من عاش منكم أن يرى منكراً لا يستطيع له غير أن يَعلم اللهُ من قلبه أنه له كاره" (20) .
والعجز أن يخاف إلحاق ضرر ببدنه, أو ماله، ولا طاقة له على تحمل ذلك، فإذا لم يغلب على ظنه حصول شيء من هذا لا يسقط عنه الواجب بإنكار قلبه فقط، بل لابد له من الإنكار باليد, أو اللسان حسب القدرة (21) .
عاقبة ترك إزالة المنكر مع القدرة عليها:
1-إذا تُرِكَ النهي عن المنكر استشرى الشر في الأرض، وشاعت المعصية والفجور، وكثر أهل الفساد، وتسلطوا على الأخيار وقهروهم، وعجز هؤلاء عن ردعهم بعد أن كانوا قادرين عليهم، فتطمس معالم الفضيلة، وتعم الرذيلة، وعندها يستحق الجميع غضب الله-تعالى-وإذلاله وانتقامه، قال الله-تعالى-حاكياً عن بني إسرائيل: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون *كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } المائدة: 78 - 79. لا يتناهون: لا ينهى بعضهم بعضاً إذا رآه على المنكر. والأحاديث في هذا كثيرة، منها:
ما جاء عن أبي بكر-رضي الله عنه-، عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا، إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب) (22) .