فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
#إمامة الرجل في سلطانه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله محمد وآله وصحبه، أما بعد:
المقصود بإمامة الرجل في سلطانه: أن الرجل أحق أن يؤم المصلين فيما هو تحت سلطته وملكه، ومثاله: لو كان لإنسان بيتٌ أو دارٌ كبير أو مزرعة أو غير ذلك، فزاره ناس وحضر وقت الصلاة فصلوا، فلا يجوز أن يتقدم منهم أحد ليصلي بهم إلا صاحب السلطان، أي صاحب الدار أو المزرعة أو البيت... إلا أن يأذن لمن يريد.. حتى لو كان من يصلي بهم أفضل منه قراءة وتلاوة وعلماً وسناً وهجرة.. وذلك أن في غير هذه الحالة يجب تقديم الأقرأ فالأقرأ، ثم الأسن فالأسن، فإن كانوا في السن سواء فالأقدم إسلاماً وهجرة، كما هو المنصوص عليه في كتب الفقه.. فإن وجد ولي أمر المسلمين أو نائبه فهو الأحق بالإمامة.
وعلى هذا اتفقت مذاهب العلماء ولم يعلم مخالف -والله أعلم- وهو المنصوص عليه في كتب الفقه، ولهم في ذلك أدلة..
ولكن نذكر بعض كلام علماء المذاهب الإسلامية:
قال ابن نجيم -رحمه الله-:
(أما إذا كان في بيت إنسان فإنه يكره أن يؤم ويؤذن وصاحب البيت أولى بالإمامة إلا أن يكون معه سلطان أو قاض فهو أولى؛ لأن ولايتهما عامة1) .
وقال الخرشي -فقيه مالكي-:
(ثم إن لم يكن سلطان ولا نائبه فرب المنزل المجتمع فيه، ولو كان غيره أفقه منه وأفضل2)
والمقصود أنه إذا حضر السلطان إلى البيت مع الزائرين أو نائبه كالقاضي ونحوه فإنه الأحق بالإمامة، فإن لم يوجد السلطان أو الأمير فصاحب المنزل هو المقدم في الإمامة، ولو كان من في المنزل أفضل منه أو أفقه أو أقرأ.
وقال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي:
(فإن اجتمع هؤلاء مع صاحب البيت فصاحب البيت أولى منهم3)
وقال مصطفى الرحيباني الحنبلي:
(وصاحب البيت وإمام مسجد ولو عبداً أحق من غيره، فتحرم إمامة غيرهما بلا إذنهم4)
وقد اشترط الرحيباني شرطاً وهو أن يكون صاحب البيت أهلاً للإمامة5.
إذن أتضح من خلال نقل كلام أئمة المذاهب أن صاحب البيت والسلطان أولى بالإمامة من غيره إلا إذا وجد أمير أمر الأمة أو نائبه فإنه الأولى بإمامة القوم؛ وذلك لأن إمامة السلطان أعم من إمامة الرجل لمنزله أو ملكه..
الأدلة:
لا شك أن اتفاق المذاهب على هذا يرجع إلى مستند وقفوا عليه وأخذوا منه هذا الحكم الشرعي، ومن الأدلة على ذلك:
الدليل الأول: عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِلْماً، ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد على تكْرِمته إلا بإذنه) رواه مسلم.وقوله: سلماً: أي إسلاماً، وفي رواية: سِنّاً. وقوله: تكرمته، أي مكان جلوسه في بيته.
ووجه الاستدلال: أن الرسول نهى أن يؤم الرجلُ الرجلَ في سلطانه، وبيته وملكه هو سلطانه الذي يملكه، فلا يجوز التقدم عليه، وهو الأولى بالإمامة إلا أن يأذن لغيره..
الدليل الثاني: عن مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من زار قوماً فلا يؤمهم، ولْيؤمهم رجل منهم) 6.
وقد ورد الحديث بقصته وسبب وروده، فعن بديل قال: حدثني أبو عطية -مولىً منا- قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا إلى مصلانا هذا، فأقيمت الصلاة، فقلنا له: تقدم فصَلِّهْ، فقال لنا: قدموا رجلاً منكم يصلي بكم، وسأحدثكم لِمَ لا أصلي بكم: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من زار قوماً فلا يؤمهم ولْيؤمهم رجل منهم) . قال الترمذي بعد ذكر الحديث: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر، وقال بعض أهل العلم: إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به، وقال إسحاق بحديث مالك بن الحويرث، وشدد في أن لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أذن له صاحب المنزل! قال: وكذلك في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم يقول: ليصل بهم رجل منهم. انتهى كلام الترمذي.
الدليل الثالث: قال أبو سعيد مولى أبي أسيد: تزوجت وأنا عبد، فدعوت نفراً من أصحاب رسول الله فأجابوني، فكان فيهم أبو ذرٍّ وابن مسعود وحذيفة -رضي الله عنهم أجمعين-، فحضرت الصلاة وهم في بيتي، فتقدم أبو ذرٍّ ليصلي بهم، فقالوا له: وراءك ! فالتفت إلى ابن مسعود فقال: أكذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: نعم، فقدموني وأنا عبد، فصليت بهم) رواه صالح بن الإمام أحمد -رحمهما الله- في مسائله، ورواه عبد الرزاق والبيهقي.
ووجه الاستدلال واضح وهو: تأخر أبا ذر وتقديم أبي سعيد المولى صاحب الدار للصلاة بهم؛ مع أنهم من أعظم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-.
الحكمة في تقديم صاحب المنزل بالإمامة على غيره:
علَّل العلماء ذلك التقديم بتعليلين: