فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال تعالى: { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا} 13. قال القاسمي - رحمه الله -: في الآية إشارة إلى إرشاد الآباء الذين يخشون ترك ذرية ضعافاً بالتقوى في سائر شؤونهم حتى تحفظ أبناؤهم بالعناية منه تعالى. وإشارة إلى أن تقوى الأصول تحفظ الفروع 14. ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية حافظة له من الأذى، كما جرى لسفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كُسر به المركب ، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسد ، فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق، فلما أوقفه عليها، جعل يهمهمُ كأنّه يودّعه، ثم رجع عنه، ورؤي إبراهيم بن أدهم نائماً في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذب عنه حتى استيقظ.
وعكس هذا أن من ضيع الله ضيعه الله، فضاع بين خلقه حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجوا نفعه من أهله وغيرهم؛ كما قال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خُلُق خادمي ودابَّتي 15.
قوله:"احفظ الله تجده تجاهك"أي أن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه فإن الله معه في كل أحواله، يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده، قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} 16. قال قتادة: من يتق الله يكن معه، ومن يكُن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام،، والهادي الذي لا يضل 17.
قوله:"تعرف إلى الله في الرخاء؛ يعرفك في الشدة"يعني أن العبد إذا اتقى الله، وحفظ حدوده، وراعى حقوقه في حال الرخاء، فقد تعرّف بذلك إلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فيعرفه ربه في حال الشدة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه، ومحبته له، وإجابته لدعائه 18. وقد جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من سره أن يستجيب الله له عن الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء"19. وهذا نبي الله يونس - عليه السلام - لماَّ كان من المؤمنين الذاكرين لله في حال الرخاء استجاب لله له في حال الشدة، وأخرجه من ظلمات ثلاث: ظلمة الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، قال الله تعالى: { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} 20. وقال تعالى: { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} 21. وفرعون لماَّ كان من الكافرين المتكبرين، أرداه في الهالكين، وجعله عبرة للمعتبرين، ولذلك لما أدركه الغرق، قال: آمنت، فقال الله تعالى: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} 22 . وأعظم الشدائد والكرب عند نزول هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ثم سؤال منكر ونكير، ثم الوقوف في العرصات، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم تطاير الصحف، ثم المرور على الصراط، ثم الحسرة والكرب الذي ما بعده حسرة ولا كرب وهو التدحرج إلى النار- والعياذ بالله - . وبالتالي فلا خلاص من تلك الشدائد والكرب إلا بتقوى الله، وذكره في حال الرخاء قبل فوات الآوان، قال ابن رجب - رحمه الله -: فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعد حينئذٍ للقاء الله بالموت وما بعده، ذكره الله عند هذه الشدائد، فكان معه فيها، ولطف به، وأعانه، وتولاَّه، وثبته على التوحيد، فلقيه وهو عنه راض، ومن نسي الله في حال صحته ورخائه، ولم يستعد حينئذ للقائه، نسيه الله في هذه الشدائد 23.
قوله:"إذا سألت فاسأل الله"هذا مصداق قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } 24 . وقد تضمنت هذا الفقرة أن لا يُسأل إلا الله جل وعلا ، ولا يسأل غيره. والله سبحانه قد أمر بسؤاله دون غيره، فقال الله تعالى: { وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ} 25 . وفي المقابل نهى عن سؤال المخلوقين في أحاديث كثيرة، فقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً، فكان أحدهم يسقط سوطه أوخطام ناقته، فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه؛ فعن عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال:"ألا تبايعون رسول الله ؟". وكنا حديث عهد ببيعة. فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟! قال:"على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا - وأَسرَّ كلمة خفية - ولا تسألوا الناس شيئاً"26 .