فهرس الكتاب

الصفحة 1784 من 9994

قوله:"وإذا استعنت فاستعن بالله"هذا مصداق قوله تعالى: {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 27. وقد تضمنت هذه الفقرة أن لا يستعان إلا بالله وحده لا شريك له. ولماذا يُستعان عبدٌ عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ويترك الاستعانة بالقادر على كل شيء؟! ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله إلى من استعان به، ومن وكله الله إلى نفسه أو إلى أحد من خلقه فهو مخذول، ولذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم مَن أصابه كرب أن يدعو الله فيقول:"اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت"28.

قوله:"واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك". وقد دل القرآن على مثل هذا، قال الله تعالى: { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } 29 وقال تعالى: { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } 30. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن لكل شيءٍ حقيقة، وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه"31. وهذه الفقرة من الحديث عليها مدار الحديث، فهي لب هذه الوصية، قال ابن رجب: وأعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإنَّ العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذٍ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه جل وعلا ، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوه، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد ما لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئاً، فمن علم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعاً، وأن يتقى سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعاً، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة، وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاصه الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال تعالى: { قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} 32.

قوله:"رفعت الأقلام وجفت الصحف"كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أمدٍ بعيد، وقد دل الكتاب والسنة على ذلك، قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} 33 . وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة"34 . إلى هنا نكون قد انتهينا من شرح الحديث بالرواية التي رواها الترمذي .

.والله نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه .

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

1 -رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. والحديث ورد بألفاظ متعددة وقد صححه الألباني، انظر صحيح الجامع الصغير (2/ 1318) برقم (7957) .

2 -رواه أحمد.

3 -جامع العلوم والحكم (1/462) .ط: مؤسسة الرسالة. الطبعة الرابعة (1412هـ) تحقيق شعيب الأرناؤوط و إبراهيم باجس.

4 -ق (32) (33) .

5 -جامع العلوم والحكم (1/462) .

6 -البقرة (40)

7 -البقرة (152) .

8 -محمد (7) .

9 -جامع العلوم والحكم (1/466) .

10 -الكهف (82) .

11 -الكهف (82) .

12 -انظر جامع العلوم والحكم (1/467) .

13 -النساء (9) .

14 -انظر محاسن التأويل (5/47) . دار الفكر - بيروت - الطبعة الثالثة (1398هـ) .

15 -جامع العلوم والحكم (1/468) .

16 -النحل (128) .

17 -جامع العلوم والحكم (1/471) .

18 -المصدر السابق (1/472- 473) باختصار.

19 -رواه الترمذي. وصححه الألباني في الصحيحة رقم (593) .

20 -الصافات (143- 144) .

21 -الأنبياء (87 - 88) .

22 -يونس (91) (92) .

23 -جامع العلوم (1/ 476) .

24 -الفاتحة (5) .

25 -النساء (32) .

26 -روا ه مسلم وأبو داود والنسائي.

27 -الفاتحة (5) .

28 -رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني في صحيح أبي داود رقم (4246) .

29 -التوبة (51) .

30 -آل عمران (154) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت