فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وليس المراد رفضها من الملك، فقد كان سليمان وداود - عليهما السلام - من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال والملك والنساء ما لهما.
وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - من أزهد البشر على الإطلاق وكان له تسع نسوة.
وكان علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان - رضي الله عنهم - من الزهاد، مع ما كان لهم من الأموال.
وكان الحسن بن علي من الزهاد، مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحاً لهن وأغناهم.
وكان عبد الرحمن بن المبارك من الأئمة الزهاد مع مال كثير.
وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد، وكان له رأس مالٍ، يقول: لولا هو لتمندل بنا هؤلاء.
ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن البصري أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة - إذا أصبت بها- أرغب منك فيها لو لم تصبك.
يقول ابن القيم: فهذا من أجمع الكلام في الزهد وأحسنه. [12]
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - عن رجل تفقه وعلم ما أمر الله به وما نهى عنه، ثم تزهد وترك الدنيا والمال والأهل والأولاد خائفاً من كسب الحرام والشبهات، وبعث الآخرة وطلب رضا الله ورسوله، وساح في أرض الله والبلدان، فهل يجوز أن يقطع الرحم ويسيح كما ذكر أم لا؟
فأجاب: الحمد لله وحده.
الزهد المشروع: هو ترك كل شيء لا ينفع في الآخرة، وثقة القلب بما عند الله. كما في الحديث الذي في الترمذي:"ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكون ما في يد الله أوثق بما في يدك، وأن تكون في ثواب الله المصيبة إذا أصبت أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك" [13] ؛ لأن الله - تعالى- يقول: (( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) )الحديد23 . فهذا صفة القلب.
وأما في الظاهر فترك الفضول التي لا يستعان بها على طاعة الله من مطعم وملبس ومال وغير ذلك، كما قال الإمام أحمد:"إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وصبر أيام قلائل."
وجماع ذلك خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؛ كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول:"خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" [14] وكان عادته في المطعم أنه لا يرد موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، ويلبس من اللباس ما تسير من قطن وصوف وغير ذلك، وكان القطن أحب إليه، وكان إذا بلغه أن بعض أصحابه يريد أن يتعدي فيزيد في الزهد، أو العبادة على المشروع. ويقول: أينا مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؟! يغضب لذلك، ويقول:"والله إني لأخشاكم لله، وأعلمكم بحدود الله - تعالى-" [15] . وبلغه أن بعض أصحابه قال: أما أنا فأصوم فلا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم فلا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: أما أنا فأقوم فلا أنام، فقال صلى الله عليه وسلم:"لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [16] .
فأما الإعراض عن الأهل والأولاد فليس مما يحبه الله ورسوله، ولا هو من دين الأنبياء، بل قد قال الله: (( ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلتا لهم أزواجاً وذرية ) )والإنفاق على العيال والكسب لهم يكون واجباً تارة ومستحباً أخرى، فكيف يكون ترك الواجب أو المستحب من الدين؟!
وكذلك السياحة في البلاد لغير مقصود مشروع؛ كما يعانيه بعض النساك أمر منهي عنه.
وقال يحيى بن معاذ الرازي: كيف لا أحب دينا قدر لي فيها قوت أكتسب به حياة أدرك بها طاعة أنال بها الآخرة [17] .
أقسام الزهد في الدنيا:
لقد اختلفت عبارات السلف في تفسير الزهد في الدنيا، وبيان أقسامها، ولكن أجمعها ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون العبد بما يد الله أوثق منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته، فإن الله ضمن أرزاق عباده، وتكفل بها، كما قال: (( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) )هود 6. وقال: (( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) )الذاريات22. وقال: (( فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) )العنكبوت17.
قال الحسن: إنَّ من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله - عز وجل-.
وروي عن ابن مسعود قال: إن أرجى ما أكون للرزق إذ قالوا ليس في البيت دقيق. وقال مسروق: إن أحسن ما أكون ظناً حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم.
وقال الإمام أحمد: أسرُّ أيامي إليّ يوم أصبح وليس عندي شيء...
والثاني: أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال أو ولد، أو غير ذلك، أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه في الدنيا أن يبقى له، وهذا أيضاً ينشأ من كمال اليقين.