فهرس الكتاب

الصفحة 1793 من 9994

قلت: رحم الله ابن القيم حيث نبه على مسألة مهمة وهي أن بعض الناس قد يترك الدنيا ويزهد فيها وليس زهداً حقيقاً، وإنما خوفاً من نقص منزلته ومرتبته عند الناس، وذلك كأن يكون صاحب وجاهة أو ولاية على أناس فيتظاهر بالزهد الكاذب من أجل المحافظة وجاهته وولايته عندهم أو عليهم.

ثم يقول ابن القيم:"وكراهة مشاركة الفساق"يعني أن الفساق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدنيا، ولتلك المواقف بهم كظيظ من الزحام، فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك المواقف، ويرفع نفسه عنها، لخسة شركائه فيها؛ كما قيل لبعضهم: ما الذي زهدك في الدنيا؟ قال: قلة وفائها، وكثرة جفائها، وخشية شركائها.

إذا لم أترك الماء اتقاءً تركت لكثرة الشركاء فيه

إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه

وتجنب الأسود ورود ماء إذ كان الكلاب يلغن فيه

الدرجة الثانية:"الزهد في الفضول"وهو ما زاد على المسكة والبلاغ من القوت، باغتنام التفرغ إلى عمارة الوقت، وحسم الجأش، والتحلي بحلية الأنبياء والصديقين"."

قال ابن القيم:"الفضول": ما يفضل عن قدر الحاجة."والمسْكة": ما يمسك الإنسان من القوت والشراب واللباس والمسكن والمنكح إذا احتاج إليه. و"البلاغ"هو البُلغة من ذلك يتبلغ به المسافر في منازل السفر، فيزهد فيما رواء ذلك، اغتناماً لتفرغه لعمارة وقته.

قال صلى الله عليه وسلم:"إن أمامكم عقبة كئوداً، لا يجوزها إلا المثقلون" [8] .

وقال صلى الله عليه وسلم:"إنما يكفي أحدكم ما كان في الدنيا مثل زاد الراكب" [9]

وقال عليه الصلاة والسلام:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" [10] .

قال ابن القيم- رحمه الله-: إن الزهد لأهل هذه الدرجة أعلى وأرفع، وهو اغتنام الفراغ لعمارة أوقاتهم مع الله؛ لأنه إذا اشتغل بفضول الدنيا، فاته نصيبه من انتهاز فرصة الوقت، فالوقت سيفٌ إن لم تقطعه قطعك.

وأما"حسم الجأش": فهو قطع اضطراب القلب المتعلق بأسباب الدنيا، رغبة ورهبة وحباً وبغضاً وسعياً، فلا يصحُّ الزهد للعبد حتى يقطع هذا الاضطراب من قلبه، بأن لا يلتفت إليها، ولا يتعلق بها في حالتي مباشرته لها وتركه، فإن الزهد زهد القلب، لا زهد الترك من اليد، فهو تخلي القلب عنها لا خلو اليد منها.

وأما"التحلي بحلية الأنبياء والصديقين"فإنهم أهل الزهد في الدنيا حقاً، إذ هم مستمرون إلى علم قد رفع لهم غيرها، فهم زاهدون، وإن كانوا لها مباشرين.

الدرجة الثانية:"الزهد في الزهد": وهو بثلاثة أشياء: استحقار ما زهدت فيه، واستواء الحالات فيه عندك، والذهاب عن شهود الاكتساب، ناظراً إلى وادي الحقائق. للاستزادة انظر مدارج السالكين 2/19-20.

وقال الغزالي - رحمه الله: أعلم أن الزهد في نفسه يتفاوت بحسب تفاوت قوته على درجات ثلاث:

الدرجة الأولى: وهي السفلى منها: أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته، وقلبه إليها مائل، ونفسه إليها ملتفتة، ولكنه يجاهدها ويكفُّها، وهذا يسمى المتزهد، وهو مبدأ الزهد، والمتزهد على خطر عظيم، فإنه ربما تغلبه نفسه وتحذبه شهوته، فيعود إلى الدنيا.

الدرجة الثانية: الذي يترك الدنيا طوعاً لاستحقاره إياها؛ بالإضافة إلى ما طمع فيه، كالذي يترك درهماً لأجل درهمين، فإنه لا يشق عليه ذلك.

لكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويتلفت إليه، فيكاد يكون معجباً بنفسه وبزهده، ويظن في نفسه أنه ترك شيئاً له قدره، لما هو أعظم قدراً منه وهذا أيضاً نقصان.

والدرجة الثالثة وهي العليا: أن يزهد طوعاً، ويزهد في زهده فلا يرى زهده، إذ لا يرى أنه ترك شيئاً، إذ عرف أن الدنيا لا شيء، فيكون كم ترك زخرفة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة، ولا يرى نفسه تاركاً شيئاً، والدنيا بالإضافة إلى الله تعالى ونعيم الآخرة، أخسُّ من زخرفة بالإضافة إلى جوهرة، فهذا هو الكمال في الزهد [11] .

الزهد المشروع:

قد يظن ظان أويتخيل متخيل أن الزهد ترك الدنيا كاملة، والإقبال على الاعتكاف في المساجد وترك العيال والأولاد يتكففون الناس، أو أن الزهد لبس الثياب الخشنة، أو تعذيب النفس وتجويعها، كما يفعله بعض المتصوفة أو.. وليس الأمر كذلك.

إنما الزهد المشروع في الدنيا هو ما فسره به بعض السلف، فقد سئل بعضهم - ولعله الإمام أحمد- عمن معه مال: هل يكون زاهداً؟ قال: إن كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه، أو كما قال.

وقال أحمد بن أبي الحواري: قلت لسفيان بن عيينة: من الزاهد في الدنيا؟ قال: من إذا أنعم عليه شرك وإذا ابتلي صبر، فقلت: يا أبا محمد قد أنعم عليه فشكر وابتلي فصبر، وحبس النعمة، كيف يكون زاهداً؟ فقال: اسكت، من لم تمنعه النعماء من الشرك، ولا البلوى من الصبر، فذلك الزاهد.

وقال ربيعة: رأس الزهاد جمع الأشياء بحقها ووضعها في حقها.

وقال ابن القيم: ومتعلق الزهد ستة أشياء، لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها، وهي:

1.المال

2.والصور

3.والرياسة

4.والناس

5.والنفس

6.وكل ما دون الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت