فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
#أزهد في الدنيا
المقدمة:
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى أله وصحبه ومن اقتفى.
أما بعد:
فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أعطي جوامع الكلم؛ كما أخبر بذلك في السنة الصحيحة.
ومن تلك الأحاديث التي تعد من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم
الحديث الذي يرويه سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قال: جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه- وسلم - فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال:"ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس" [1] .
الوصية الأولى:
"ازهد في الدنيا يحبك الله".
قال ابن رجب- رحمه الله - اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين: الزهد في الدنيا، وأنه مقتض لمحبة الله - عز وجل- لعبده. والثانية: الزهد فيما في أيدي الناس، وأنه مقتضى لمحبة الناس [2] .
في الوصية الأولى يجيب النبي - صلى الله عليه وسلم - على سؤال الصحابي الذي وجهه إليه، حينما قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس؟.
والآيات والأحاديث في مدح الزهد وأهله، وذم الدنيا والرغبة فيها وأهلها كثيرة جداً، ومنها:
قوله تعالى: (( بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خيرٌ وأبقى ) )الأعلى 16-17.
وقال: (( تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) )الأنفال 67.
وقال: (( ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ) )النحل 96.
وقال: (( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينة... ) )الحديد 20.
وقال: (( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى... ) )النساء 77.
وقال تعالى في قصة قارون: (( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ) )إلى قوله تعالى: (( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) )القصص (79) - (83) .
وقال تعالى: (( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) )طه (131) .
وقال حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه: (( وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) )غافر (38) - (39) .
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بسوق والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله، فأخذ بإذنه فقال:"أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟"فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال:"أتحبون أنه لكم؟"فقالوا: والله لو كان حياً عيباً فيه؛ لأنه أسكُ، فكيف وهو ميت؟ فقال:"والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" [3] .
وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" [4]
وعن المستورد الفهري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بماذا ترجع" [5] .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" [6] .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"يدخل فقراء المسلمين الجنة، قيل أغنيائهم بنصف اليوم، وهم خمسمائة عام" [7] .
والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جداً.
درجات الزهد:
قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله-: الزهد على ثلاثة أوجه:
الأول: ترك الحرام: وهو زهد العوام.
والثاني: ترك الفضول من الحلال: وهو زهد الخواص.
والثالث: ترك ما يشغل عن الله: وهو زهد العارفين.
وجاء نحوه عن أبي إسماعيل الهروي - رخمه الله - حيث قال: وهو - أي الزهد في الدنيا-: على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: الزهد في الشبهة، بعد ترك الحرام، بالحذر من المعتبة، والأنفة من المنقصة، وكراهة مشاركة الفساق.
قال ابن القيم - رحمه الله -:"أما الزهد في الشبهة"فهو ترك ما شبه على العبد هل هول حلال أم حرام؟ فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام، ولا يكون ترك الشبهة إلا بعد ترك الحرام، وتركه للشبهة حذراً من توجه عتب الله عليه، وأنفسه لنفسه من نقصه عند ربه وسقوطه من عينه، لا أنفته من نقصه عند الناس، وسقوطه من أعينهم.