فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
{ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ } ،قال الطبري:"تخزون به عدو الله"، وقال ابن كثير:"تخوفون به عدو الله"، وقال غيرهم:"الخوف مع الاضطراب هو حقيقة ذلك الإرهاب".
{ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ } ، أي كل أعداء الإسلام ، وقد قيل لعنترة: بم نلت هذه الشجاعة حتى صار ذكر اسمك يرعب القلوب ؟ قال:"كنت أعمد إلى الرجل الرعديد الجبان فأضربه ضربة قوية ينخلع لها قلب الكمي الشجاع"، فهناك يكون الامتثال والاعتبار بالأول لمن وراءه .
ولذلك ذكر الرازي - رحمه الله - في هذا الإرهاب الإسلامي المطلوب قرآنيا وجوهاً من الفوائد والمنافع:
أولها: ألا يجترئ الأعداء على ديار الإسلام
ومتى كان لهم في ذلك حلم لو كان هناك أهل إيمان وإسلام وأهل قوة وهيبة ولذلك نقول هذا.
وأيضاً - كما قال الرازي رحمه الله - أيضا: أنه ربما يقودهم الخوف إلى الإذعان من غير قتال ودفع الجزية مهادنة ومصالحة.
وهذه القوة والإرهاب قد تكون داعية لهم إلى الإيمان ؛ لأنهم يرون أصحاب الأيمان وهم أهل قوة وأهل بسط وأهل هيمنة وأهل عزة فيرون أن هذا ما يكون إلا لخير في هذا الدين فيؤمنون به.
وكذلك من الفوائد أنهم لا يعينون غيرهم من الكفار إن كانوا قد امتنعوا بأنفسهم ؛ فإن الرهبة من أهل الإيمان تمنعهم أن يكونوا سندا لغيرهم وقد كان ذلك كذلك في عصور الإسلام الزاهية.
ومن ذلك أيضا: الزينة في أهل الإسلام - كما قال الرازي - أن يثبت الإيمان في القلوب ، وأن يعتز المسلمون بإسلامهم .
اليوم والأحوال منقلبة ، والقوة ضائعة ، والرهبة لا وجود لها ، ترى كثيراً من المؤمنين وهم مطأطئين لرؤوسهم ، وهم يشعرون بشيء من الإحتقار والذلة لعدم يقينهم وإيمانهم الصحيح ، وعدم فهمهم ووعيهم التام ، لكن ذلك واقع في حقيقة الأمر .
ولذلك ينبغي لنا أن ننتبه إلى هذا الإعداد والقوة التي تؤمن المختارين لهذا الإسلام فلها فوائد عديدة أهل الإسلام والإيمان من يحمي بيضتهم؟ من يذب عن أعراضهم؟ من يمنع تدنيس مقدساتهم؟ من يحفظ أرواحهم وأموالهم؟ قوة الإسلام والإيمان.
الأمر الثاني: إرهاب أعداء الله عز وجل.
الأمر الثالث: أنها إقعاد عن مواجهة دعوة الإسلام فإذا عرف الناس قوة الإسلام تركوا له الطريق يمضي ، وإذا به يغزو القلوب بالحق واليقين والبرهان لا بالقوة والعنف والسنان كما يزعمون ، وإذا بنا أيضا نجعل القوة في آخر الأمر تحطيما للقوى الباغية الظالمة الجائرة التي تصد عن دين الله وتتسلط على خلق الله ، وتظلم عباد الله ، وحق لأهل الإسلام أن يتولوا ذلك ، وأن يكونوا أهله ، فذلك هو شأنهم ، وذلك هو سمتهم ، وذلك هو فرضهم وواجبهم ، ولقد قالها ربعي بن عامر في كلماته التي تحفظونها يوم خاطب القوى العظمى في زمانه:"جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
واليوم نعرف أنه عالم القوة أي شيء يتحدث اليوم؟ هل هو العدل؟ كلا هل هو المنطق؟ كلا هل هو القوانين؟ كلا هل هي الإنسانية؟ كلا ! إن الناطق اليوم - شاء الناس أم أبوا - هو القوة ، والقوة وحدها ، فلا قول ولاكلمة إلا لصاحب قوة ، فينبغي لنا أن نعزز هذه الأسباب ، والأسباب من سنن الله عز وجل فينبغي الأخذ بها معنوياً ومادياً.
{ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } [ مريم:25 ] .
أمرت مريم امرأة ضعيفة حامل في وقت المخاض أن تهزّ جذع نخلة ، وما عسى أن تهز فيه ؟ لكنها أخذت السبب وجاءت النتيجة من الله - سبحانه وتعالى - والنبي قال: (اعقلها وتوكل) ، وهو - عليه الصلاة والسلام - ضرب المثل في هجرته ، فأخذ للأمر عدته وأهبته وتخطيطه الكامل التام ، ثم جاءت بعد ذلك عناية الله - عز وجل - لتجبر كل نقص في تدبير المسلم وكل خلل فيما أعده من الأسباب ، وذلك هو الذي نرتقبه ونأمله ، أما بلا إيمان ويقين وبلا صلاح واستقامة وبلا عمل ولا إعداد ؛ فإن سنن الله ماضية لا تحادي أحداً ، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أولى خلق الله بأن تنكسر أو تتخلف سنن الله عز وجل في حياته ، ولكن لما خالف بعض أصحابه يوم أحد دارت الدائرة ، وشج وجهه ، وسال الدم على جبهته ، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه عليه الصلاة والسلام ، فلئن كان ذلك كذلك مع سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - فكيف بمن دونه ممن هو بعده.