فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يقول سيد قطب وهو يفسر سورة الفاتحة"لقد جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار . . يختلط فيها الحق بالباطل ، والصحيح بالزائف ، والدين بالخرافة ، والفلسفة بالأسطورة . . والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون ، ولا يستقر منها على يقين ."
وكان التيه الذي لا قرار فيه ولا يقين ولا نور ، هو ذلك الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها ، وصفاته وعلاقته بخلائقه ، ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص .
ولم يكن مستطاعا أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون ، وفي أمر نفسه وفي منهج حياته ، قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدته وتصوره لإلهه وصفاته ، وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح مستقيم في وسط هذا العماء وهذا التيه وهذا الركام الثقيل ...
ومن ثم كانت عناية الإسلام الأولى موجهه إلى تحرير أمر العقيدة ، وتحديد التصور الذي يستقر عليه الضمير في أمر الله وصفاته ، وعلاقته بالخلائق ، وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين .
ومن ثم كان التوحيد الكامل الخالص المجرد الشامل ، الذي لا تشوبه شائبة من قريب ولا من بعيد... هو قاعدة التصور التي جاء بها الإسلام ، وظل يجلوها في الضمير ، ويتتبع فيه كل هاجسة وكل شائبة حول حقيقة التوحيد ، حتى يخلصها من كل غبش . ويدعها مكينة راكزة لا يتطرق إليها وهم في صورة من الصور . . كذلك قال الإسلام كلمة الفصل بمثل هذا الوضوح في صفات الله وبخاصة ما يتعلق منها بالربوبية المطلقة . فقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه الفلسفات والعقائد كما تخبط فيه الأوهام والأساطير . . مما يتعلق بهذا الأمر الخطير ، العظيم الأثر في الضمير الإنساني . وفي السلوك البشري سواء .
والذي يراجع الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله وصفاته وعلاقته بمخلوقاته ، هذا الجهد الذي تمثله النصوص القرآنية الكثيرة . . الذي يراجع هذا الجهد المتطاول دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل في ذلك التيه الشامل الذي كانت البشرية كلها تهيم فيه . قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر ، وإلى كل هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير . . ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد المتطاول ، كما تكشف عن مدى عظمة الدور الذي قامت به هذه العقيدة - وتقوم في تحرير الضمير البشري وإعتاقه؛ وإطلاقه من عناء التخبط بين شتى الأرباب وشتى الأوهام والأساطير !
وإن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها . . كل هذا لا يتجلى للقلب والعقل كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية من العقائد والتصورات ، والأساطير والفلسفات! وبخاصة موضوع الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم . . عندئذ تبدو العقيدة الإسلامية رحمة. رحمة حقيقية للقلب والعقل ، رحمة بما فيها من جمال وبساطة ، ووضوح وتناسق ، وقرب وأنس ، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق" (انتهى كلام سيد قطب باختصار يسير) ."
الخَاتِمَةُ
تشتمل أسماء الله الحسنى على كم هائل من المبادئ التربوية التي تسمو دائما بمعتقداتنا، وتسوق سلوكنا بثقة نحو مواطن الخير، وتقود عقولنا برفق تجاه البناء والسَّنَاء وفق تعاليم السماء. أسماء الله الحسنى تفيض بالبشرى لكل من يسعى نحو المعالي ولمثل تلك المعاني ينبغي أن نشمر عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ ونوجه الجهود ونحشد الطاقات، ونربي الجيل الجديد كي يمضي نحو غاياته النبيلة، ورائده شوق انبثق من شجرة الأسماء الحسنى.
الأسماء الحسنى منارات تكشف الطريق للسائرين ، وترشد الحائرين وتكرم عقول البشر وتصوغها صياغة صحيحة تصونها من شر الخرافات المتعلقة بالقبور أو الإلحاد وفصل الدين عن الحياة... إن الأسماء الحسنى تأخذ بيد كُلّ صَحِيْحِ الذِّهْنِ نحو الوحدانية وحدها، وتحرره من طوق التقاليد المادية، والغيبيات الخادعة التي نسبت زورا إلى الإيمان وما أنزل الله بها من سلطان.
دور المعلم هو الحث على التخلق بمقتضى صفات الله وأسمائه وتطبيق ذلك كلما سَنَحَت الفُرْصَةُ، وذلك بالنظر إلى الصفات التي يحسن من المخلوق أن يتصف بمقتضاها؛"الصفات التي يحب الله من عباده أن يتصفوا بمقتضاها كالعلم والقوة والرحمة والحلم والكرم والجود والعفو . وأشباه ذلك، فهو سبحانه عليم يحب العلماء ، قوي يحب المؤمن القوي أكثر من حبه للمؤمن الضعيف ، كريم يحب الكرماء ، رحيم يحب الرحماء ، عفو يحب العفو . . الخ" [3] .