فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
#الإخلاص وفوائده
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة أيها الناس اتقوا الله وأطيعوه فإنه تعالى أمركم بذلك فقال: ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً? (1) . أيها الإخوة الكرام إن الله تعالى خلق الخلق لعبادته وبعث الرسل إلى الناس ليعبدوه وحده لا شريك له قال تعالى: ?وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ? (2) وقال جل ذكره: ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ? (3) وقال تعالى: ?وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ? (4) .
وعبادة الله سبحانه وتعالى لا تقوم إلا بالإخلاص له. فالإخلاص هو حقيقة الدين ولب العبادة وشرط في قبول العمل وهو بمنزلة الأساس للبنيان وبمنزلة الروح للجسد ولذلك لما كانت أعمال الكفار لا توحيد فيها ولا إخلاص جعلها الله تعالى هباءً منثوراً قال تعالى: ?وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً? (5) وهذا الإبطال والإحباط نصيب كل من لم يخلص العمل لله تعالى وقصد غيره قال تعالى: ?مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُون صدق الله العظيم أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? (6) فيا خيبة من جاء بأعمال مثل الجبال يجعلها الله هباء منثوراً ويكبه على وجهه في النار فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ) ) (7) نعوذ بالله من الخذلان.
فسبحان من لا تخفى عليه خافية بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فإن المرء مهما ضلل الناس وخدعهم ظاهره وصورته فإن هذه الظواهر والصور وهذا التزييف والتضليل لا يغني عنه شيئاً. أما عند الله تعالى فقد قال في كتابه: ?إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ? (8) وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ) (9) أما الناس فسرعان ما ينكشف الستار وتبدو الحقيقة للأنظار إما في الدنيا أو في دار القرار قال الله تعالى: ?فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ? (10) .
(1) النساء: 1.
(2) البينة: 5.
(3) الأنبياء: 25.
(4) النحل: 36.
(5) الفرقان: 23.
(6) هود: 15-16.
(7) أخرجه مسلم في الإمارة برقم 1905.
(8) النساء: 142.
(9) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2564.
(10) الرعد: 17.