فهرس الكتاب

الصفحة 2048 من 9994

أيها المسلمون اعلموا أن من أعظم أسباب تخلف الإخلاص وغيابه في الأعمال هو طلب الدنيا أو محبة المدح والثناء قال ابن القيم رحمه الله: (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت) قال رحمه الله: (فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص فإن قلت: وما الذي يسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك يقينك أنه ليس شيء يطمع فيه إلا هو بيد الله وحده لا يملكه غيره ولا يؤتي العبد منه شيئاً سواه وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إلا الله وحده قال ذلك الأعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم: إن مدحي زين وذمي شين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:(( ذلك الله عز وجل ) ) (1) فازهد في مدح من لا يزينك مدحه وفي ذم من لا يشينك ذمه وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه.

فإذا جاهد العبد نفسه حتى زهد في الدنيا وفي مدح الناس وثنائهم وقصد الله في عمله كان من أهل الإخلاص الذين أعمالهم كلها لله تعالى وأقوالهم لله وحبهم لله وبغضهم لله فمعاملتهم ظاهراً وباطناً لوجه الله وحده لايريدون بذلك من الناس جزاءً ولا شكوراً ولا ابتغاء الجاه عندهم ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم ولا هرباً من ذمهم وبهذا تكون أقوى الناس لأن وليك حينئذ هو مولاك القوي المتين وبهذا تكون من أهل الكرامة في هذه الدار وفي دار الجزاء.

الخطبة الثانية

أما بعد. . .

أيها المسلمون إن لإخلاص العمل لله تعالى فوائد كثيرة أذكر بعضها عسى أن تكون حافزة لنا إلى مزيد من الاجتهاد والعمل في تحقيق الإخلاص لله تعالى في الأقوال والأعمال. اعلموا أن من فوائد الإخلاص أن الأقوال و الأعمال لا تقبل إلا إذا صاحبها الإخلاص فالأعمال مهما حسن أداؤها إذا لم يصاحبها إخلاص لله تعالى فهي مردودة حابطة فعن أبي أمامة مرفوعاً: (( إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه ) ) (2) وكذلك الأقوال قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في وصف من أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة: (( من قال: لا إله إلا الله خالصاًمن قلبه ) ) (3) .

ومنها: أن الإخلاص سبب لقوة القلب ورباطة الجأش وتحمل أعباء العبادة وتكاليف الدعوة ولو تأمل الواحد منا حال بعض المخلصين الصادقين لتبين له ذلك فمن ذلك رباطة جأش النبي صلى الله عليه وسلم وقوته مع توافر أسباب الهلاك عليه حيث قال لصاحبه وهو في الغار: ?إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا? (4) فالإخلاص والصدق مع الله تعالى يعين على النهوض بالحق ومجابهة الباطل مهما عظمت قوة الباطل فهذا نبي الله هود لم تكن له آية بارزة كما كان لغيره من الأنبياء دعا قومه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه فجادله قومه وقالوا كما قص الله علينا نبأهم في كتابه: ?قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ صدق الله العظيم إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون صدق الله العظيم مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ? (5) .

ومنها: أن من فوائد الإخلاص التخلص من كيد الشيطان وتسلطه قال الله تعالى إخباراً عما قاله إبليس لما طلب أن ينظره رب العالمين: ?إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ? (6) .

ومنها أنه سبب لصرف السوء والفحشاء قال تعالى في قصة يوسف: ?وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ? (7) .

(1) الترمذي تفسير القرآن من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه بلفظ:"إن حمدي زين .."برقم 3267 وأخرجه أحمد في مسنده من حديث الأقرع بن حابس رضي الله عنه بلفظ:"إن حمدي زين .."برقم 15561.

(2) أخرجه النسائي في الجهاد برقم 3140.

(3) أخرجه البخاري في العلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 99.

(4) التوبة: 40.

(5) هود: 53-55.

(6) الحجر: 40.

(7) يوسف: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت