فهرس الكتاب

الصفحة 2062 من 9994

#الإسبال

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن الله قد أنعم على خلقه بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولن يقدر أحد على أن يوفي الله عليها شكراً وحمداً: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} سورة إبراهيم (34) . ومن هذه النعم التي أنعم الله بها على خلقه نعمة اللباس، يقول الله في معرض الامتنان: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} سورة الأعراف (26) . وقال تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} سورة النحل (81) .

ولقد جاءت النصوص مصرحة بحل جميع الألبسة إلا ما ورد الدليل بتحريمه، فالأصل في الألبسة الحل إلا ما جاء النص بمنعه إما لأنها محرمة في أصلها، أو لوجود صفة فيها كانت سبباً لتحريمها، أو ما أشبه ذلك؛ فمما جاء من النصوص في إباحة الألبسة؛ قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} سورة البقرة (29) . وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} سورة الأعراف (32) .

أيها المؤمنون: ولكن الله -سبحانه- قد نبهنا في قوله: {لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} إلى ثلاثة أنواع من الألبسة: نوعان حسيان، ونوع معنوي في (النفس) ، فأما النوعان الحسيان فالأول: هو اللباس الذي يواري سوءاتكم، وهو: اللباس الضروري الذي يستر الإنسان به عورته. والنوع الثاني من الألبسة الحسية: لباس يجمل ليس بضروري، ولكنه تحسيني كما في قوله: {وريشاً} . والثالث لباس معنوي عظيم وهو رأس الألبسة وهو: لباس التقوى؛ قال تعالى: {ولباس التقوى ذلك خير} .

فلابد للإنسان لباس حسي يواري عورته، ولباس معنوي يواري به كذلك عورته الحسية في الدنيا والآخرة، وهذا اللباس أهم من اللباس الذي يواري العورات؛ لأن لباس العورات متيسر ويمكن لكل أحد من الناس الحصول عليه، بل الحصول على ما هو أكمل منه وهو ما عبر عنه القرآن: {وريشاً} ؛ ولكن لباس التقوى عزيز ونادر الحصول عليه، فلربما تجد البعض يغير ملابسه الحسية في اليوم الواحد أكثر من ثلاث مرات، ولكنه بعيد كل البعد عن اللباس المعنوي لباس التقوى؛ ذلك اللباس الذي يدوم ويستمر مع الإنسان في دنياه وأخراه.

لباس التقوى لا يمكن الحصول عليه بالمال ولا بالسيارات ولا بالعقارات ولا بالوزارات، ولكن يمكن الحصول عليه بالرجوع إلى الله، والتوبة إليه، والندم على ما سبق من الذنوب والمعاصي، وفعل الخيرات والمسابقة في ذلك.

يمكن الحصول على لباس التقوى في قراءة القرآن بالتدبر، والمحافظة على فرائض الله، واجتناب ما حرم الله، ومن ذلك أن يلبس الإنسان ما أحل الله له، وأن يبتعد عن لبس ما حرم الله عليه، إما لأن في لبسه لذلك مشابهة لأعداء الله؛ لأنه من لباسهم الخاص، أو لأن النص قد ورد بتحريم لبس نوع معين من الملابس، أو أن لبسها على صفة تخالف النصوص الشرعية التي بينت كيفية ومقدار لبس المسلم..

ومن تلك المخالفات التي يرتكبها الناس في لباسهم: الإسبال، وهذا مما يتنافى مع التقوى لدلالة الآية على ذلك، ولما جاء في الأثر الطويل الذي أخرجه البخاري عن عمر أنه قال لذلك الغلام الذي كان إزاره يمس الأرض:"ابن أخي! ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك"1.

أيها الناس: إن الإسبال في الثياب تكبراً وفخراً وخيلاء أمر محرم شرعاً ومكروه طبعاً، بل إنه من كبائر الذنوب المتوعد صاحبها بالنار إن لم يتب منها في الحياة الدنيا، فإن مات ولم يتب منها، فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، وعدها من الكبائر هو ما صرح به العلماء، وهو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فقد عدها ابن حجر الهيثمي من الكبائر حيث قال: عد هذين من الكبائر (أي طول الإزار أو الثوب أو الكم أو العذبة خيلاء، والتبختر في المشي) هو ما صرحت به هذه الأحاديث لما فيها من شدة الوعيد عليهما. وذكرها الذهبي من الكبائر2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت