فهرس الكتاب

الصفحة 2063 من 9994

وقد عد العلماء الإسبال للثياب تكبراً وفخراً وخيلاء في حق الرجال من الكبائر استناداً إلى النصوص الصريحة التي ورد فيها الوعيد الشديد على من فعل ذلك، فمما جاء من الوعيد في حق من أسبل ثوبه أو إزاره قاصدا بِذلك الفخر والخيلاء أن الله لا ينظر إليه يوم القيامة، ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذابٌ أليم؛ فعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) 3. وفي رواية: (المسبل إزاره) 4. والمسبل: هو الذي يطول ثوبه ويرسله إلى الأرض.

وأما من لَمْ يقصد الخيلاء فإنه قد ورد في حقه من العقوبة أنه يعذب بقدر ما نزل من الكعبين؛ فعن أبي هريرةَ أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار) رواه البخاري. ولم يقيد ذَلِكَ بالفخر والخيلاء بل أطلق.

وعن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ بحجزة سفيان بن أبي سهل فقال: (يا سفيان لا تسبل إزارك، فإن الله لا يحب المسبلين) 5.

وأما من احتج بحديث أبي بكرٍ وما جاء في استرخاء ثوبه عليه، كما جاء في حديث ابن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ) 6. فيجاب عن ذلك فيقال أنه: ليس في هذه القصة حجة من وجهين:

الأول: أَنَّ أبا بكرٍ -رضي الله عنه- قال: (إِنَّ أحد شقي ثوبي يسترخي إِلاَّ أن أتعاهد ذَلِكَ منه) فَهُوَ لَمْ يرخِ ثوبه اختيالاً منه، بل كَانَ ذَلِكَ يسترخي ومع ذَلِكَ فَهُوَ يتعاهده، والذين يسبلون ويزعمون أَنَّهُمْ لَمْ يقصدوا الخيلاء يرخون ثيابَهم عن قصدٍ فنقول لَهُمْ: إن قصدتم إنزال ثيابكم إلى أسفل من الكعبين بدون قصد الخيلاء عذبتم على ما نزل فقط بالنار، وإن جررتم ثيابَكم خيلاء عذبتم بما هُوَ أعظم من ذَلِكَ لا يكلمكم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليكم، ولا يزكيكم، ولكم عذابٌ أليم.

الوجه الثاني: أَنَّ أبا بكرٍ -رضي الله عنه- زكَّاهُ النبي -صلى الله عليه وسلم- وشهد لَهُ أَنَّهُ ليس مِمَّنْ يصنع ذَلِكَ خيلاء، فهل نال أحدٌ من هؤلاءِ تلك التزكية والشهادة؟ ولكن الشيطان يفتح لبعض النَّاس اتباع المتشابه من نصوصِ الكتاب والسنة، ليبرر لَهُمْ ما كانوا يعملون، والله يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم7. أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، محمد بن عبد الله قائد الغر المحجلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان على يوم الدين.

أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت