أيها الناس: فإن الذي يجب علينا أن نتقي الله، وأن نراقبه في كل صغيرة وكبيرة من حركاتنا وسكناتنا، وأن نستقيم على شرعه، وذلك بأن نمتثل أوامره وأن نجتنب نواهيه، ومن ذلك ترك الإسبال، فإن ذلك مما حرمه الله، بل علينا أن نمتثل ذلك متى علمنا تحريمه، وقد سمعتم النصوص المحذرة من ذلك، ولنكن كما كان سلفنا الصالح فإنهم لما نصحوا في ذلك نفذوا تلك الوصية، ولم يتأولوا ولم يقولوا نحن لا نجر ذلك خيلاء، ولم يفهموا من نص النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ كما يفهمه اليوم بعض أصحاب الفطر المنتكسة التي تحاول تبرير ما حصل منها من الوقوع فيما حرم الله، وتصر على ذلك، وتعتبر أنها على الحق، وهي على شفا هلكة، بل على شفا حفرة من النار؛ لأنها لم تمتثل لأمر الله وأمر رسوله، بل خالفت وعصت -والعياذ بالله-، فهذا الصحابي الجليل عبد الله عمر لما دخل على النبي وعليه إزارا يتقعقع، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من هذا؟) فقال ابن عمر: فقلت عبد الله بن عمر، فقال: (إن كنت عبد الله فارفع إزارك) . فرفعت إزاري إلى نصف الساقين فلم تزل أزرته حتى مات8. وهكذا ينبغي على أهل العلم ومن كان عنده علم بتحريم أمر من أمور الدين، وعلم بمن هو واقع فيه أن يوجه إليه النصيحة مباشرة إن كان موجوداً، أو يذهب إليه فينصحه بالإقلاع عن فعله ذلك، فإن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) 9. ولو أن الناس كلما رأوا منكراً أنكروا على فاعله أياً كان غنياً أو فقيراً رجلا أو امرأة لزالت كثير من المنكرات، ولما قدر من في قبله حب المنكر أن يظهره لأنه يعلم أن المجتمع سينكر عليه، وسيصبح نشازا بين أفراد المجتمع، وبذلك تصلح المجتمعات، وتحل البركات، وتجاب الدعوات.
وأما بالنسبة للنساء فإنهن لما سمعن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- امتثلن لذلك؛ كما في حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ قَالَ: (يُرْخِينَ شِبْرًا) فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: (فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ) 10. أما رجالنا اليوم فقد قلبوا هذا الحديث، وخالفوا أمر رسول الله، فأطال الرجال ثيابهم بل وسحبوها على الأرض!! وأما النساء في بعض الدول والبلدان الإسلامية فإنهن رفعن ثيابهن، واقتدين بالكافرات العاهرات، ولم يقتدين بفعل أمهات المؤمنين.
أيها المؤمنون: لقد حرم الله الإسبال في القميص وفي الإزار والعمامة؛ وما أشبه ذلك، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) 11. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الإزار فهو في القميص)12.
وخلاصة القول -عباد الله- في حكم طول الثوب للرجل وقصره أن له أربع حالات:
الحالة الأولى: أن يكون سنّة، وهو نصف الساق.
الحالة الثانية: أن يكون مباحاً، وهو ما دون نصف الساق إلى الكعبين.
الحالة الثالثة: أن يكون حراماً، وهو ما أسفل من الكعبين.
الحالة الرابعة: أن يكون أشد حرمة، وهو أن يجرّه خيلاء وكبرا وبطراً، ودليل هذا التفصيل حديث أبي سعيد الخدري أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: (إزْرَة المؤمن إلى نصف الساق، ولا حرج فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جرّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه) 13.
فاتق الله -يا عبد الله-، وأن تكون ملابسك على السنة، وهذه هي الحالة الأولى، فإن لم تكن كذلك فكن من أصحاب الحالة الثانية، وأما أن تكون من أصحاب الحالة الثالثة أو الرابعة فهذا ما لا أرضاه لك، وهو ما لا يقرك عليه شرع ولا عقل مستقيم، وهو ما أردت تحذيرك منه؛ فاتق الله في ذلك، وما أردت إلا البيان، وإقامة الحجة، وإبراء الذمة، {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} سورة الأنفال (42) . والله أسأل أن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا معصيته، وأن يرزقنا التمسك بسنة نبيه، وأن يحبب إلينا الطاعة والسنة، وأن يكره إلينا المعصية والبدعة.
1 روه البخاري.
2 الكبائر (215) . دار الندوة الجديدة - بيروت.
3 رواه مسلم وأبو داود.
4 رواه النسائي وابن ماجه وأحمد.
5 رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه واللفظ له، وقال الألباني: ( حسن لغيره) ؛ كما في صحيح الترغيب والترهيب، (2039) .
6 رواه البخاري.