فهرس الكتاب

الصفحة 2082 من 9994

2-الحروب الصليبية: فقد وضعت الفرد الأوروبي في مواجهة مع الشرق وحضارته وعلومه وتقدمه، ورغم الإساءة في البداية إلى التراث العربي الإسلامي (إذ حرق الصليبيون في أنطاكية عند الاستيلاء عليها الكثير من المخطوطات العربية الإسلامية) فقد التفت الأوروبيون إلى ضرورة الانتفاع من هذا التقدم الذي يشاهدونه، فنقلوا في سفنهم كل ما استطاعوا نقله من كتب، وأدوات، ومحاصيل يمكن زراعتها في بلادهم، حتى الحِرَف المختلفة نقلوها إلى بلادهم، ونشطوا في إقامة المعاهد والجامعات وتدريس كتب العرب المسلمين في جامعاتهم، (فقد بقي كتاب القانون في الطب لابن سينا يُدرّس في بروكسل - بلجيكا - حتى 1909م) ، وكذلك كتب الجبر، والرياضيات، وعلوم الطب، والصيدلة، وعلم الحيل (الميكانيك) ، والكيمياء، والنبات، كل ذلك انتقل إلى جامعاتهم، واستمر تدريس تلك الكتب لعدة قرون، وبذل علماؤهم جهوداً كبيرةً في الدراسة التطبيقية والتجريبية حتى وضعوا بلادهم على عتبة الحضارة الحديثة والمعاصرة، وعجّت معاجمهم بالمفردات والمصطلحات العربية الإسلامية العلمية، على اختلاف أنواعها مع شيء من تطويع هذه المفردات لإدخالها في لغتهم.

3-صقلية وجنوب إيطالية:

فقد فتح العرب المسلمون صقلية في العهد العباسي، وحيثما حلّ العرب حلّت معهم رسالتهم وعلومهم، وحتى عندما غادر العرب جنوب إيطالية وصقلية على يد روجر النورمندي، حرص روجر على تشجيع العرب المسلمين للبقاء في صقلية، وذلك لعلمه بغزارة علومهم وعظمة حضارتهم، ومنهم الشريف الإدريسي الذي رسم العالم المعروف لديه على لوح من الفضة وأهداه للملك، كما أهداه كتاباً في الجغرافية هو (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) ( انظر: الإسلام والحضارة العربية، محمد كرد علي: 1/284.) ، كما شجع روجر ترجمة العلوم العربية الإسلامية إلى لغتهم، وسار على نهجه من بعده، أمثال فريدريك ملك صقلية، الذي بشّر بالحضارة الإسلامية في أوروبة، وبنى مدرسة للطب في سالرنو، وأسس جامعة نابولي... وهكذا وجدت الحضارة العربية الإسلامية طريقاً ثالثاً سلكته إلى أوروبة،.. فكانت ولادة الحضارة الأوروبية.

ومع الأسف فقد كان النقل الأوروبي للحضارة العربية الإسلامية نقلاً ناقصاً، لأنهم نقلوا الجانب العلمي المادي فقط، وتركوا الجانب الروحي الإنساني، وإذا استمرت الحضارة الأوروبية على هذا المنوال فإنها ستقضي على نفسها بنفسها لأنها غرقت بالمادية، بدليل فراغها الروحي.

كتب إسبانيٌّ زار كهف ميلوس في بلدة معلولا قرب دمشق يقول: (أنا من العرق العربي، صديق الشمس القديم، الذي ربح كل شيء ثم خسره) .

وهكذا كانت الحضارة العربية الإسلامية رحمة للبشرية، ولن تكتمل هذه الرحمة إلا إذا أخذ العالم بالجانب الروحي منها ليتم التوازن بين جناحي الحياة.

والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت