فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولم يكن الحق محفوظاً للإنسان العربي المسلم فقط، بل لأبناء وسائر الشعوب على اختلاف أجناسهم وأديانهم، فقد حدث أن جرى سباق للخيل في مصر فاشترك فيه ابن حاكم مصر العربي المسلم، وبعض المصريين المسيحيين، فسبق المسيحي المصريُّ ابنَ حاكم مصر، فضربه الأخير بالسوط قائلاً: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين، فشكاه المسيحي إلى خليفة المسلمين (عمر) ، فاستدعى الخليفةُ حاكم مصر وولده، وأمر المسيحي أن يقتص لنفسه من ابن الحاكم قائلاً: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) (انظر: تاريخ عمر بن الخطاب، للإمام ابن الجوزي، ص120.) .
بهذا العدل وبهذه الإنسانية وصل الإسلامُ بالدولة إلى نصف العالم محققاً الدولة العالمية، ولو وجد النبي في عصرنا الحاضر على ما فيه من وسائل مواصلات حديثة واتصالات سريعة، لَوَحَّد العالم أجمع في دولة واحدة، وقضى بها على الجهل والحروب والفقر؛ فيتحقق بذلك شفاء البشرية من كل ما تشكو.
ماذا قدمت الحضارة الإسلامية للعالم؟
كانت الحضارة الإسلامية أمينة على الحضارات التي سبقتها، رغم أن تلك الحضارات لم تكن غريبة عن المنطقة العربية، فحضارات مصر وبلاد الرافدين والشام هي المصدر الأساسي لحضارة بلاد اليونان، ورغم أن العرب شجعوا نقل التراث اليوناني والروماني فقد انطبق عليهم قول القائل: (بضاعتنا رُدّت إلينا) ، فأعلام اليونان تردَّد معظمهم على مصر وبلاد الرافدين وبلاد الشام واقتبسوا منها الكثير، فقد نقلوا الأبجدية الفينيقية بين (850 - 750 ق.م) ، كما أخذوا أسماء الأبراج السماوية والعلوم الفلكية من نجوم وكواكب وأيام الأسبوع عن البابليين، وأخذوا عنهم علوم الطب والرياضيات والأدوية والمعادن، وسائر العلوم التي كانت معروفة آنذاك.
ورغم كل ذلك فالعرب لم يغمطوا اليونان والرومان جهودهم، ولا بخسوهم حقهم فيما قدموه للحضارة، ولا انتحل العرب علومهم وكتبهم ونسبوها لأنفسهم كما فعل الأوروبيون.
فالحضارة العربية الإسلامية أحيت الحضارات القديمة، وجددتها، وصححت الكثير مما ورد فيها من أخطاء ودس، وبذل المسلمون جهوداً مضنيةً لتطويرها والخروج بها من الإطار النظري إلى العملي والتطبيقي، فقدموا للحضارة البشرية أضعاف ما وصلهم.
وليس بصحيح أن دور العرب كان لنقل التراث اليوناني إلى الغرب، فلم يكن العرب في يوم جسراً لذلك، ولا يرضون بذلك، وهذه دعوة طلع بها علينا بعض المستشرقين الأوروبيين، لطمس فضل العرب على الحضارة، وجعلهم دائماً على هامش التاريخ.
والمتتبع للحضارات القديمة يجد أنها لا تتعدى نقطة في بحر الحضارة العربية الإسلامية، وباعتراف معظم رجالات العالم المهتمين بالشؤون العلمية نجد أن التراث العربي الإسلامي هو أكبر تراث على وجه الأرض، وقد عجز المستشرقون خلال مئات السنين عن احتواء التراث العربي الإسلامي في دراساتهم، فكما قال المستشرق رودي بارت: (كانت دراسات المستشرقين جزءاً صغيراً من كلٍّ كبير لا سبيل لبلوغه، أو حتى الاقتراب منه في أحسن الأحوال إلا بخطى صغيرة) ، ولم يحدث قط أن حجب العرب حضارتهم عن شعب من الشعوب، كما يفعل الغرب اليوم. هذا جزء من أهداف الرسالة الإسلامية لتحقيق الخير والنفع العام والرحمة بالبشرية.
فضل الحضارة العربية الإسلامية على أوروبة، وطرق انتقالها:
انتقلت الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبة عن طرق عدة:
1-طريق الأندلس (إسبانية حالياً) ، فالأندلس هي قطعة من أوروبة، تجاور فرنسة، وهي قريبة من إيطالية و إنكلترة وغيرها من الأقطار الأوروبية. وقد أرسلت كثير من البلاد الأوروبية أبناءها على شكل بعثات ترعاها مستويات رسمية عالية، أرسلوا طلائعهم للدراسة في بلاد الأندلس، وتصدى كثيرٌ منهم للقيام بعملية ترجمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي إلى اللاتينية وغيرها، وعلى رأس ذلك كله القرآن الكريم، وبدؤوا بدراسة العلوم، واستمر الانتفاع مما لدى أهل الأندلس من علوم نظرية وفلسفية وعلوم مادية وتطبيقية طيلة وجود العرب في الأندلس.
وعندما وقعت الأندلس في محنة الضعف والسقوط بادر بعض الإسبان إلى حرق ما وصلت إليه أيديهم من المكتبات العربية تنفيساً عن أحقادهم، ولكن البعض تدارك ذلك فيما بعد، وحفظ ما تركه العرب من تراث، في مستودعات الكنائس، ليحتل مركز الصدارة في مكتباتهم فيما بعد، وبذلك تعتبر المكتبة الإسبانية العامة في مدريد من المكتبات المهمة التي تحتوي على الكثير من المخطوطات العربية والإسلامية، التي تصدى الغرب لدراستها والانتفاع منها بعد نقلها إلى لغاتهم، وهكذا كانت بذور النهضة الأوروبية.