فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ونقل المجتمعات من جو التعصب الديني والمذهبي إلى حريّة العقيدة {لا إكراه في الدين} (سورة البقرة: [الآية: 256] .) ، فهاهو هرقل حاكم سورية الروماني يصادر أموال الكنائس التي ليست على مذهبه الديني، بينما كانت الكنسية ورجالها في ظل الإسلام آمنةً معافاةً ترفل بالرعاية والتكريم، في حين لم يترك الإسبان مسجداً واحداً من آثار المسلمين أو مقبرةً، عندما خرج المسلمون منها، ولا أنسى كيف كان المسلمون والمسيحيون يصلون في وقتٍ واحد في مسجد بني أميّة بدمشق، واستمروا على ذلك زمناً طويلاً(
كان أصل موضع هذا الجامع قديماً معبداً بنته اليونان الكلدانيون الذين كانوا يعمرون دمشق، ولم يزالوا على ذلك حتى دخلت النصرانية بلاد الشام، فحُوِّل المعبد إلى كنيسة وأطلقوا عليها0 اسم (كنيسة مريحنا) ، حتى زمن الفتح الإسلامي حيث فتح المسلمون الشام؛ نصفه عنوةً ونصفه صلحاً، فكان أن وقعت الكنيسة بين المسلمين وبين النصارى. فحوِّل نصيب المسلمين إلى مسجد، وكان المسلمون والنصارى يدخلون من باب واحد فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، ويأخذ المسلمون يمنةً إلى مسجدهم، واستمر الأمر على ذلك من سنة (14هـ حتى سنة(86هـ) حيث ضاق المسجد بأهله ولم يعد يتسع للمصلين، فصالح الخليفة (الوليد بن عبد الملك) النصارى، على أن يتنازلوا عن حقهم في الكنيسة مقابل كنيسة توما وكانت واقعة في نصيب المسلمين. ورضي النصارى بذلك.. وعندها شرع الوليد في بناء الجامع الأموي.
انظر: (البداية والنهاية لابن كثير: 9/122-125 - طبعة دار الكتب العلمية) .
ويوم أن زار وفد نصارى نجران النبيّ محمداً صلى الله عليه وسلم في عاصمته (المدينة) أنزلهم ضيوفاً مكرمين في مسجده ينامون ويتناولون طعامهم ويقيمون صلواتهم، حتى انتهت سفارتهم (انظر: السيرة النبوية لابن هشام: 2/222، زاد المعاد لابن القيِّم: 3/629.) .
أما حقوق الإنسان في الإسلام: فقد بلغت القمة في تطبيق النبي محمد صلى الله عليه وسلم لدينه، فقد حدث أن مرّت جنازة يهوديّ فقام النبي احتراماً لها قائلاً: (( أليست نفساً ) ) (رواه البخاري في صحيحه في كتاب [الجنائز] ، حديث رقم(1250) . ومسلم في صحيحه، في كتاب [الجنائز] ، حديث رقم (961) .)، ويوم أن رفض أن يعطي يهودياً من مال كان يوزِّعه قائلاً له: (( ليس لك من صدقة المسلمين شيء ) )، نزل روح القدس فوراً على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأمره أن يرد ذلك اليهودي وأن يعطيه نصيباً من المال(
نزل روح القدس بقوله تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله...} سورة البقرة: [الآية: 272] وورد أيضاً في سبب نزول هذه الآية، عن سعيد بن جبير مرسلاً، أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم ) )فنزلت الآية: {ليس عليك هداهم...} مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام. قال القرطبي: قال علماؤنا: هذه الصدقات التي أُبيحت لهم حسب ما تضمنه هذه الآثار هي صدقة التطوع. (الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي: 3/338) . ومن أراد الاستزادة في هذا الموضوع فليرجع إلى: تفسير القرطبي: 3/338-339، وفقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي: 2/702 وما بعدها.
والعدالة بلغت القمة في تطبيقها عندما أعلن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قائلاً: (( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) ) (أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب [أحاديث الأنبياء] حديث رقم(3388) ، وفي كتاب [المغازي] حديث رقم (4053) . ومسلم في صحيحه في كتاب [الحدود] حديث رقم (1688) .)، وَسوَّى مرةً الصفوف بقضيب فأصاب أحد جنوده، فأعطاه حق القصاص من نفسه وبنفس القضيب(
روى ابن إسحاق أنَّ رسول لله صلى الله عليه وسلم عدَّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يُعدل به القوم، فمرَّ بسواد بن غزية وهو مستنصلٌ [أي خارجٌ] من الصف، فطعن في بطنه بالقدح [قضيب صغير] وقال: استو يا سواد، فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، قال: فأقدني، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: استقد يا سواد. قال: فاعتنقه فقبل بطنه، قال صلى الله عليه وسلم: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله حضر ما ترى، فأحببتُ أن يمسَّ جلدي جلدك. (سيرة ابن هشام: 2/278)
وقد روى المحدِّثون شبيهاً بهذه القصة عن أُسيد بن حضير (غير أنها لم تكن في معرض تسوية الصفوف) ، انظر: سنن أبي داود، كتاب [الأدب] حديث رقم 05224)، كشف الخفاء 2/52-53.