فهرس الكتاب

الصفحة 2091 من 9994

أيها الإخوة ، إن الله سبحانه وتعالى قد أخبر في كتابه مؤكداً في مواضع عديدة أنه لا يخلف الميعاد ، فإن إخلاف الوعد ليس من شأن الرب ، قال الله جل وعلا: ? فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ? (1) ?وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ? (2) فالله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد ، كما قال سبحانه وتعالى في آيات متعددة ، إلا أننا مع هذا الوعد ومع هذه البشارة نحتاج إلى أن نقف وقفات أول هذه الوقفات ، أيها الإخوة ، أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا العلو وهذا الظهور لأهل الدين خاصة دون غيرهم ، فالعلو الذي جاء للإسلام إنما هو لأهله فبقدر ما يتحقق لهؤلاء من وصف الإسلام ويكون معهم من خصاله وأعماله بقدر ما يكون لهم من العلو والارتفاع ، ?وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ? (3) . وإنما ذكر المنافقين دون غيرهم لأنهم مندسون في أهل الإسلام ، بينهم ، يعيشون معهم ، يأكلون ويشربون معهم يشيعون بينهم الأراجيف وفينا من يسمع أقوالهم ، ولذلك قال: ?وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ? صدق خبر الله جل وعلا ، وأن الله سبحانه وتعالى قد كتب العزة لكل من كان من هذا الدين متحققاً بأوصافه عاملاً به ، لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه كما في الصحيحين في غزوة بني المصطلق ، جرى خلاف بين بعض الصحابة فاعتزى كل منهم إلى رهطه وطائفته ، فقال المهاجري: يا للمهاجرين ، وقال الأنصاري: يا للأنصار . فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألهم ما الذي جرى ؟ ما هذه الدعاوى ؟ إنها دعوى الجاهلية .رفع المنافق عبدالله بن أبي ابن سلول رأسه لما سمع هذه المقالة ، قال: ليخرجن الأعز منها الأذل (4) . يريد بالأذل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من أهل الإيمان من المهاجرين إلى المدينة ، فجاءه الجواب من رب العالمين ، قال الله تعالى: ?يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ? هذا الضمان وهو العلو والارتفاع والعزة لا تكون إلا لأهل الإيمان بإيمانهم وأعمالهم وما يقوم في قلوبهم من صالح العمل ، فإن العمل الصالح أيها الإخوة من الجند الذي ينصر الله به أهل الإسلام ، فإنها من جنود الله تعالى التي يحصل بها حفظ أهل الإسلام ويقي بها أهل الإسلام شروراً كثيرة ، ويقي بها مكراً عظيماً قد لا ندركه ولا نتخيله ، قال الله تعالى في وصف مكر أعداء الدين لأهل الإسلام: ? وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ? (5) أي مكراً عظيماً تزلزل منه الجبال وتزول من أماكنها لكن الله جل وعلا لهم بالمرصاد وهو جلّ وعلا من ورائهم محيط وقد قال الله سبحانه وتعالى للمؤمنين وهم في حال ضعف في غزوة أحد لما أصيبوا وقتل منهم من قتل وجرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكسرت رباعيته وسقط في الحفرة وأصابه ما أصابه: ? وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ? (6) أيها الإخوة إن الإيمان علوه لا ينكسر في هزيمة عسكرية ولا بانحسار مادي ولا بضعف في صناعة أو غير ذلك أهل الإيمان لا يرتفعون ولا يعلو شأنهم ولا يكون لهم الدولة دون غيرهم إلا بالإيمان الذي علق الله به العلو ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? (7) ? وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ? فهذا العلو لا يكتسب من انتصار في معركة ولا يكتسب من إتقان صناعة آلة أو غير ذلك وان كان ذلك من الأسباب التي يظهر فيها العلو لكنهم عالون ولو لم يكونوا كذلك ، وانظر إلى شأن العرب عندما خرجوا يقاتلون الروم وفارس ، كيف كانت حالهم ؟ إنهم كانوا من أهل الردى في الصناعة وفي القتال وفي معرفة فنون التقدم ، لكنهم فاقوا خصومهم أكبر الدول في ذلك الوقت الروم وفارس ، فاقوهم بإيمانهم وما معهم من اليقين ، ولقد حقق الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - علو الدين ، وظهوره وارتفاعه على كل ملة بدت بشائر ذلك في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يمت عليه الصلاة والسلام إلا وقد دانت لهم أهل الجزيرة كلهم حتى لم يبقَ فيها من يعبد غير الله ، ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم واصلوا المسيرة وقد بدأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجيش الذي عقده قبل وفاته ، جيش أسامة ،

(1) البقرة: 80.

(2) الحج: 47.

(3) ... المنافقون: 8.

(4) ... أخرجه البخاري في المناقب برقم 3257 وأخرجه مسلم في البر والصلة برقم 4682.

(5) ... ابراهيم:46.

(6) ... آل عمران:139

(7) ... آل عمران: 110

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت