فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فأمضاه أبو بكر - رضي الله عنه - فكان ذلك فاتحة النصر وفاتحة ظهور الدين في مشارق الأرض ومغاربها ، طبق دين الإسلام مشارق الأرض ومغاربها ، سار مسير الشمس في الآفاق ، بلغ مبلغ الليل والنهار بعز أعز الله به أهل الإسلام وذلك أذل الله به أهل الكفر، ? وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ? (1) .
أيها الإخوة الكرام إننا إذا تحققنا في أي زمان وفي أي مكان ، بهذا الوصف وهو وصف الإيمان فإننا موعودون بالنصر ، والله لا يخلف الميعاد ، موعودون بالعلو وإن كنا متأخرين في صناعة المواد ، وإن كنا متأخرين في إتقان فنون الحرب وغير ذلك ، فإن الله سبحانه وتعالى لم ينصر أهل الإسلام في موقع من المواقع إلا بما معهم من صدق الإيمان وعظيم الرغبة فيما عند الله عز وجل وبذل النفيس والغالي في سبيله سبحانه وتعالى ، إذا صدقنا مع الله فلنرقب الفرج ، إذا صدقنا مع الله
فليعلم الجمع منهم أننا نجب ... ... في أرضنا الصدق والإسلام قد ولدا
ذاك الفرات وذاك النيل يرفده ... ... نعم الرفادة والإرواء يابردى
وماء زمزم ما ينفك ذا عبق ... ... يروي الجموع إذا ما الماء قد نفدا
? وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ? (2) .
الوقفة الثانية .. وعد الله أيها الإخوة لأهل الإيمان بالعلو والظهور ،لا يلزم منه ولا يستفاد منه ، أنه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ، بل سيصيبهم كما قال تعالى: ? وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ? (3) فلابد من البلاء ليتميز الصالح من غيره ، لابد من البلاء ، فالبلاء سنة الله جل وعلا في عباده وأوليائه وأعدائه ? وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ? (4) إن الذين يدعون الصدق والإيمان و الصلاح في وقت السعة والرخاء كُثر ، لكنهم يمحصون وتخلى ذنوبهم وتمحص سيئاتهم وتقلل عنهم ما حملوه من أوزار الخطايا بسبب ما يصيبهم من هذا البلاء فيصفو معدنهم ويصفو ما في قلوبهم من الإيمان بتلك البلايا ? ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ? (5) .
أيها الإخوة .. إن البلاء الذي يبتلي الله به أهل الإسلام من ضعف أو هزيمة ، إنما هو لحكمة بالغة ولغاية عالية لا تتحقق بغير هذا السبيل ، ولذلك كان ابتلاء الله لعباده الصالحين من دلائل الصدق الذي يخص الله به أصفياءه ، الناس يبتلون ويمتحنون على حسب إيمانهم الأمثل فالأمثل ، الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على قد ما معه من الإيمان .
أيها الإخوة ، هذا البلاء له حكم بالغة أشار الله جلّ وعلا منبهاً الصحابة في وقعة بدر إلى بعضها قال سبحانه وتعالى: ? مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ? (6) .
ثالث الوقفات .. أن سنة الله جلّ وعلا في الأيام والدول والأحوال أنها لا تقر على أمر دائم بل هي سريعة التقلب والزوال فالشدة تؤذن بالفرج والله سبحانه وتعالى قد قال:?وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ? (7) فتلك الأيام لا تقر على حال ، بل من المحال دوام الحال فالحال تتقلب وتتغير وهذه من سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه وهي سنة كونية اجتماعية أجراها الله سبحانه وتعالى في الناس ، فالناس لا تستمر حالهم على حال واحدة بل هم في مناوبة وتعاقب بين المصائب والمواهب بين المسار والمضار ?إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ? (8) .
(1) ... يوسف: 21
(2) ... يوسف: 21.
(3) ... البقرة:155.
(4) ... محمد:31.
(5) ... محمد: 4.
(6) ... آل عمران:179.
(7) ... آل عمران: 140.
(8) ... آل عمران:140.