فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أيها الإخوة ، إن الله سبحانه وتعالى جعل البلاء موصلاً إلى رحمته ، ? أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ? (1) .
اصبر قليلاً فبعد العسر تيسير ... وكل وقت له أمر وتدبير
وللمهيمن في حالتنا قدر ... وفوق تدبيرنا لله تدبير
? وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ? (2) . نرى الأمور ونكرهها ، نرى الأمور على غير ما نهوى ويخرج الله من رحم الظلام فجراً تشرق به الوجوه ، وتسر به النفوس ويحقق الله به الوعد الذي وعده هذه الأمة ، فكلما اشتدت الكربة رقبنا الفجر ، جاء رجل إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه --في وقت خلافته - فقال له: يا أمير المؤمنين أجدبت الأرض وقحط المطر وقنط الناس. قال: إذاً مطرتم . فجعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - اشتداد الحال من قحط المطر وجدب الأرض وقنوط الناس علامة على قرب المطر ، قال رحمه الله بعد قوله له مطرتم ، تلا قول الله تعالى: ? وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ? (3) والله قريب مجيب ، الله سبحانه وتعالى يبتلي العباد بما يبتليهم به ليميز الخبيث من الطيب ثم بعد ذلك يأتي فرج الله جلّ وعلا .
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكنت أظنها لا تفرج
أيها المؤمنون ، انه مهما كان من انهزام وانكسار ، فلن يخلف الله وعده ، وهذا رابع المواقف التي يجب أن نقفها مع الله عز وجل ، وعد الله لا يزيد المؤمنين عند اشتداد الكرب إلا ثباتاً ?وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً? (4) لما اشتد الأمر على صحابة رسول الله فجاءهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنون ، قال المنافقون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ، ما وعدنا إلا أمراً لا تحصيل له ،كذباً لا سبيل إلى إدراكه ، وأما المؤمنون الثابتون المصدقون لوعد الله عز وجل فمهما اسودت الدنيا في وجوههم لا يتزلزل الإيمان في قلوبهم ، بل هم مصدقون لوعد الله ورسوله ?وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً? (5) وعد الله أيها الإخوة لا يخلف، ?فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ? (6) ?كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ? (7) ? إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ? (8) ?وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ? (9) وقال الله تعالى: ? وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? قال الله جلّ وعلا مبشراً أهل الإيمان بعد هذا التهديد: ? فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ صدق الله العظيم وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ? (10) .
نسأل الله جلّ وعلا أن نكون من أهل وعده الذين يظفرون بالنصر على أعداء الإسلام ، عاجلاً غير آجل .
أيها الإخوة الكرام إن اليأس يدب في بعض النفوس ، إن الناظر في أحوال الأمة الإسلامية يجد أن المآسي والنكبات قد اتسع نطاقها وبدأت تتناثر هنا وهناك ، فلا تكاد تخف وطأة الكفر على بلد من البلدان حتى تفجع الأمة بنكبة أو نكبات جديدة يرقق بعضها بعضاً كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبأ الفتن في حديث عبد الله عمرو في صحيح مسلم: ( تأتي الفتنة فيقول المسلم: هذه مهلكتي ثم تنكشف ثم تأتي الأخرى فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ) (11) .
(1) ... البقرة:214.
(2) ... يوسف: 21.
(3) ... الشورى:28.
(4) ... الأحزاب:22.
(5) ... الأحزاب:22.
(6) ... إبراهيم: 47.
(7) ... المجادلة:21.
(8) ... غافر:51.
(9) ... الأنبياء:105.
(10) ... إبراهيم:13-14.
(11) ... أخرجه النسائي في البيعة برقم 4120 وأخرجه ابن ماجه في الفتن برقم 3946.