فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهو صاحب الشفاعة العظمى كما في حديث أبِي هريرة وفيه: (( فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! ) ) ( [4] ) ، فيشفع فيهم، فيشفعه الله تعالى.
وقد وردت في السنة نصوصٌ تنهى عن التفضيل بن الأنبياء لا تعارض النصوص القرآنية التي تدلّ على أنّ الله فضّل بعض الأنبياء على بعض وبعض المرسلين على بعض؛ لأنّ النهي في هذه الأحاديث ينبغي أن يحمل على التفضيل الذي يكون على وجه الحميّة والعصبية والانتقاص، أو كان مؤديًا إلى شيء من ذلك، برهان ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: استبَّ رجلان: رجلٌ من المسلمين ورجلٌ من اليهود. قال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين. فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهوديّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمَ، فسأله عن ذلك، فأخبره. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تخيرونِي على موسى، فإنّ الناس يصعقون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله ) ) ( [5] ) .
قال ابن حجر:"قال العلماء في نَهيه صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء: إنّما نَهى عن ذلك مَن يقوله برأيه لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع. أو المراد: لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل، بحيث لا يترك للمفضول فضيلة" ( [6] ) .
وقال الحليمي:"الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنّما هي في مجادلة أهل الكتاب، وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة؛ لأنّ المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمن أن يخرج أحدهما إلى الازدراء بالآخر فيفضي إلى الكفر. فأمّا إذا كان التخيير مستندًا إلى مقابلة الفضائل لتحصيل الرجحان فلا يدخل في النهي" ( [7] ) .
2-نبوة النساء:
ذهب أبو الحسن الأشعري وابن حزم الظاهري وغيرهما إلى نبوة مريم عليها السلام، واختلفوا فيما بينهم في نبوة غيرها من النساء الوارد ذكرهنّ في القرآن كحواء وسارة وهاجر وأمّ موسى وآسية امرأة فرعون ( [8] ) .
وأجابوا عن قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ} [الأنبياء: 7] بأنّهم لا يخالفون مفهومها، فالرسالة للرجال، أمّا النبوة فلا يشملها النصّ القرآنِي، وليس لازمًا من النبوة التبليغ، بل النبوة تكون قاصرة على صاحبها يعمل بِها، ولا يحتاج إلى أن يبلغها إلى الآخرين.
واستدلّ أصحاب هذا الرأي بأدلة، منها:
-أنّ الله أوحى إلى بعض النساء، فأوحى إلى أمّ موسى قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى اليَمّ وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7] ، وأرسل جبريل إلى مريم فبلَّغها عن الله أمره قال تعالى: {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً Q قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً R قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لأهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً} [مريم:17-19] . فأبو الحسن يرى أنّ كل من جاءه الملك عن الله تعالى بحكم من أمر أو نَهي أو بإعلام فهو نبيّ، وقد تحقق في أمّ موسى ومريم شيءٌ من هذا.
-واستدلوا باصطفاء الله تعالى لمريم قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ } [آل عمران:42] .
-واستدلوا أيضًا بحديث أبِي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلاَّ آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران. وإنَّ فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) ) ( [9] ) . قالوا: الذي يبلغ مرتبة الكمال هم الأنبياء.
وأجيبوا بأنّ هذه الأدلة لا تنهض لإثبات نبوة النساء، وذلك من وجوه:
الأول: أننا لا نسلم أنّ النبيّ غير مأمور بالتبليغ والتوجيه ومخالطة النّاس، والمحتار أن لا فرق بين النبيّ والرسول في هذا، وأنّ الفرق واقعٌ في كون النبيّ مرسل بتشريع رسول سابق، وإذا كان ذلك كذلك فإنّ أعباء التبليغ لا تقوى عليها النساء، فلا تقوم بحقّ النبوة.
الثانِي: قد يكون وحي الله إلى هؤلاء النساء أم موسى وآسية إنّما وقع منامًا، فقد علمنا أنّ من الوحي ما يكون منامًا، وهذا يقع لغير الأنبياء.