فهرس الكتاب

الصفحة 2205 من 9994

أيّها المسلم، والله يقول لنا محذِّرًا من الانحراف: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} "10".

امرأةٌ بمكّة تبرم غزلَها أوَّلَ النهار وتنقضُه آخرَ النهار، إذًا الذي يستقيمُ يومًا أو شَهرًا ثم ينحرِف عن الحقّ قد هدَم صالحَ عمله، وقضى على صالح عمَله، وأحرقَ أوراقَه، فأصبح شبيهًا بتلكمُ المرأة.

أخي المسلم، لا أشكُّ ولا تشكّ أيضًا أنّ هناك مواسمَ خيرٍ يتضاعَف فيها الجهدُ ويعظم فيها الأجر، وهذا لا إشكالَ فيه، لكن هذا الجهدُ والثوابُ في ذلك الموسِم هل معناه أنّه إذا مضَى الموسِمُ انقضَى الخير وطُوِيت صحائِفُ الخير وعادَ الإنسان إلى سَفَهه، وعاد إلى غيِّه، ونسِي ما قدَّم من عملٍ صالح؟! هذا تصوُّر خاطِئ لا يليق بالمسلم. المسلمُ في مواسِم الخير يضاعِف الجهدَ ويزيد في الخير وتَقوَى رغبتُه في الخير، لكن هذا الجهدُ لا ينقطِع منه، تبقَى آثارُه عليه؛ لأنّ هذا ترويض للنّفس في المستقبل، ولذا يقول: (( الصلواتُ الخمس والجمعةُ إلى الجمعة ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينهنّ ما اجتُنِبت الكبائر ) )"11".

أيّها المسلم، فما بَين رمضانَ هذا ورمضانَ الآتي ـ إن شاء الله ـ صغائرُ أعمالِك يكفِّرها ما بين الرمَضانين، كلُّ هذا فضلٌ منَ الله عليك، فإيّاك ـ يا أخي ـ وأن تنتكسَ على عقبك، إيّاك أن تهجرَ الطاعة، إياك أن تزهدَ في الأعمال الصالحة، إيّاك عَنِ التقاعُس عن الخير. واصِلِ الجدَّ بالجدّ، واستقِم على الهدَى، وما فعلتَ من خيرٍ فإيّاك ونسيانَه.

كنت ـ يا أخي ـ في رمضانَ تؤمُّ المسجدَ في الأوقاتِ الخمسة وترغَب في صلاةِ الجماعة: فجرًا ظهرًا عصرًا مغربًا عِشاءً، فهل هذا العمَل الصالح بقيتَ عليه أم أردتَ أن تهجرَ المسجدَ وتهمِل الصلاةَ وتضيِّعها وتهمِل الجماعةَ بعدما ذُقتَ لذّة الطاعة؟! تلوتَ كتابَ الله، وتصفَّحته، ووقفتَ على الآيات وما فيها من وعدٍ ووعيد وترغيبٍ وترهيب وقصَص وغير ذلك، فهل زهِدتَ في القرآن وأعرضتَ عنه؟! كنتَ تحافِظ على النوافلِ في رمضان، فإياك وهجرانها، تخلَّقتَ بالحِلم والصفحِ والإعراض عن الجاهلين، وتحمَّلت مساوئَ أخلاق الآخرين فليَكُن ذلك خلُقًا لك على الدّوام.

أخي المسلم، جادَت يدُك بالخير وسحّت يدُك بالخير والعطاء، فهل تكون بعدَ رمضان قابضًا لها عن الخير؟! لا، كن على ما أنتَ عليه من خيرٍ وإن قلّ، فأحبُّ الأعمال إلى الله ما داوَم العبدُ عليه وإن قلَّ.

لتكُن آثارُ رمضان مصاحبةً لنا، ولتكن دروس رمضان تذكِرةً لنا ويَقظةً لنا من غفلتنا وسِنَتنا، ولنتذكَّر رمضانَ في بقيّة شهورنا إلى أن يأتيَ رمضانُ ـ إن شاء الله ـ ونحن نزدَادُ خيرًا إلى خير وعملاً صالحًا لعمَل صالح.

أسأل الله أن يتقبَّل منّا أعمالنا، وأن يوفِّقنا في مستقبَل أمرنا لكلّ عملٍ يحبّه ويرضاه، وأن يجعلنا ممن ذاقَ حلاوةَ الإيمان واستقرَّ الخيرُ في نفسه واستمرَّ على صالح العمَل، إنّه على كلّ شيءٍ قدير.

بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التّقوى.

عبادَ الله، إذا كانَ صِيام رمضانَ مُكفِّرًا لما مضَى من الذّنوب وقيامُ رمضان مكفِّرًا لما مضى من الذّنوب وهذا من فضلِ الله ورحمته فاعلم ـ أيها المسلم ـ أنّ نبيَّك شرعَ لك أنواعًا من الطّاعات مِن نوافلِ الطاعات تستمرّ عليها لتكونَ تلك النّوافلُ جابرةً لنقصِ فرائضك مكمِّلةً لنقصِها، تعود عليك بالخير في عَاجِل أمرِك.

يا أخي المسلم، انظر إلى نوافلِ الصلاة، فنبيُّنا كان يحافِظ على الرّواتب التي قَبل الصلاةِ وبَعدها، هذا عبدُ الله بن عمَرَ بنِ الخطاب رضي الله عنهما يقول لنا: حفِظت عن رسولِ الله رَكعتين قبلَ الظهر وركعَتين بعد الظهر ورَكعتين بعدَ المغرب وركعتين بعد العشاء، قال: وأمّا الفجرُ فأخبرتني حفصة أنّ النبي كان إذا ختَم المؤذِّن أذانَه صلّى ركعتين قبلَ أن يخرجَ إلى المسجد، وكانت ساعةً لا أدخلُ على النبي فيها"1".

فانظر إلى هذه الرواتب: ركعتين قبلَ الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرِب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر، يسمّيها العلماءُ الرواتبَ القبليّة والبعدية، ويوم القيامَةِ إذا حوسِبنا عن أعمالنا ووجِد في فريضتنا نقص كمَّلَها الله ـ فضلاً منه ـ مِن نوافلِ العباد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت