وجاء في حديثِ أمّ حبيبة: (( من حافظ على ثِنتي عشرة ركعة في يومه وليتِه حرَّمَه الله على النّار: أربعًا قبل الظّهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر ) )"12"، وجاء في اللفظ الآخر: (( من حافَظ على أربعٍ قبل الظهر وأربعٍ بعدها بنى الله له بيتًا في الجنة ) )"13". وكان نبيّكم يحافظ على الوتر حضرًا وسفرًا، ما كان يدَع الوترَ ولا ركعتَي الفجر لا حضرًا ولا سفراً، ويقول في ركعتي الفجر: (( هي خيرٌ من الدنيا وما عليها ) )"14"، ويحافظ على الوترِ دائمًا وأبدًا حضرًا وسفرًا. وكان نبيّكم إذا دخَل بيتَه بعد العشاء لم ينَم حتى يصليَ إمّا أربعَ ركعات أو ستَّ ركعات؛ ليكونَ نومه عقِبَ طاعةٍ وعبادة.
أيّها المسلم، وكان نبيّكم يحثّ على الإحسانِ العامّ والصدقةِ العامّة، ويرغّب فيها ويقول: (( من تصدَّقَ صدقةً مِن كسبٍ طيّب بعدلِ تمرة فإنّ الله يتقبَّلها بيمينه، ويربّيها لصاحِبِها كما يربِّي أحدُكم فلُوَّه حتى تكونَ مثلَ الجبل العظيم ) )"15".
وشرَع لكم نبيُّكم نوافلَ الصيام، فيقول أبو هريرةَ رضي الله عنه: أوصاني خليلي بثلاث: أن أوترَ قبل أن أنام، وأن أصليَ ركعتَي الضحَى، وأن أصومَ من كلّ شهر ثلاثةَ أيام، وقال في صيامِ يومِ الاثنين: (( ذاك يومٌ ولِدتُ فيه، وذاك يومٌ أوحِيَ إليّ فيه ) )"16"، واستحبَّ لنا صيامَ الاثنين مع الخميس، وأخبرَ أنّ أعمالَنا تعرَض على ربِّنا في هذين اليومين، فكان يحبّ أن يُعرَض عملُه وهو صائم. واستُحِبَّ لنا صيام تِسع ذي الحجة، وأُكِّد يومُ عرفة ويوم عاشوراء، كلّ هذا ممّا يدل على أنّ نوافلَ الطاعات لا ينقطِع منها المسلم أبدًا، فأعمال الخير والقُرُبات المسلمُ يسعى فيها جاهدًا، ويعمُر حياتَه بها، وسيجد ذلك مدَّخرًا له أوفرَ ما يكون، { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا } "17"، { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه } "18".
أعمالٌ صالحة يسيرة لمن يسَّرَها الله عليه، وسيَجِد لذَّتها وراحتَها عند قُرب انتقالِه ومفارقةِ الروح للجَسَد، عندما يمثَّل له مقعَدُه منَ الجنة، فيشتاق ويحِبّ لقاءَ الله ويحبّ الله لقاءه، وعندما يوضَع في لحدِه فيُبشَّر بالبشرَى الخيِّرة ويستأنس بصالحِ عمله، وعندما يقوم يومَ القيامة للعَرض بين يدَيِ الله، قال بعض الصحابة: (تصدَّقوا بصدقةِ السّرّ ليومٍ عسير، صلُّوا في ظلمَة الله لظلمَةِ القبور، صوموا يَومًا شديدًا حرُّه ليومِ النّشور) .
هذه الأعمالُ الصالحة يعمُر بها المسلِم حياتَه؛ لتكونَ حياةَ خير وحياةَ بركةٍ وحياةً طيبة، إنها الحياةُ الطيّبة التي يقول فيها الله: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } "19".
أسأل الله أن يعينني وإيّاكم على شكرِه وعلى ذكرِه وعلى حسنِ عبادته، وأن يجعلَنا ممن عمَر أوقاته بالخَير وتقرَّب إلى الله بما يُرضيه، إنّه ولي ذلك والقادِر عليه.
واعلَموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسولِه سيّدِ ولد آدم محمّد امتثالاً لأمرِ ربّكم القائل: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } "20".
اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهمّ عن خلَفائه الراشدين والأئمّة المهديّين...
"1"سورة الأنعام آية:162، 163
"2"سورة الأنبياء آية:20
"3"سورة المدثر آية:38
"4"أخرجه مسلم في الطهارة (223) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.
"5"سورة الحجر آية:99
"6"سورة هود آية:112
"7"سورة الشورى آية:15
"8"سورة الأحقاف آية:13
"9"سورة فصلت آية:30، 32
"10"سورة النحل آية:92.
"11"أخرجه مسلم في الطهارة (233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
"12"أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل السنن الراتبة (728) .
"13"أخرجه أحمد (6/325، 326، 426) ، وأبو داود في الصلاة، باب: الأربع قبل الظهر وبعدها (1269) ، والترمذي في الصلاة، باب منه آخر (427، 428) ، والنسائي في قيام الليل وتطوع النهار، باب: الاختلاف على إسماعيل بن خالد (1812، 1813، 1814، 1815، 1816، 1817) ، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن صلى قبل الظهر أربعا وبعدها (1160) ، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح غريب", وصححه ابن خزيمة (1190، 1191، 1192) ، وهو في صحيح سنن أبي داود (1130) .