وروى البخاري هذه القصة الفريدة التي نطق بها شاهد من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعداء الإسلام والمسلمين، عروة بن مسعود الثقفي عندما ذهب مفاوضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية ثم رجع فقال لقريش:"أي قومي والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف أحد منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوءه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيما له".
ولما نزلت الآية في قول الله جل وعلا: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي}
أقسم أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"والله لا أحدثك إلا كأخ السرار"أي كأنما أسر لك سراً بصوت خفيض .
ونعلم قصة ثابت بن قيس خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان جهوري الصوت امتنع عن حضور مجلس النبي عليه الصلاة والسلام .. لما ؟ خوف أن يتحدث فيعلو صوته فوق صوت النبي فيحبط عمله فيهلك كما قال بنفسه رضي الله عنه وأرضاه.
وروى أنس في تعظيم وتوقير ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أصحابه ما هو عجيب في غاية العجب قال: ( كانت أبواب بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم تقرع بالأظافير )
قرعا خفيفا غير مزعج ؛ تعظيماً وتوقيراً وإجلالاً وهيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك أمر عجيب في دنيا الناس لكنه ليس عجيباً في دنيا المؤمنين المسلمين الصادقين المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى الطبراني في معجمه بسند قال فيه الهيثمي رجاله ثقات إلا واحدا لا يعرفه، عن أنس: أن أهل المدينة يوم أحد حاصوا حيصة أي بعدما جرى عليهم من قدر الله عز وجل، وطارت الصوارخ وبعض الناس يقول مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت امرأة من الأنصار محتزمة تشق الصفوف ، فاستقبلت بابنها وزوجها وأبيها وأخيها - أي كلهم تخبر أنهم ماتوا - قال لا أدري بأيهم استقبلت أولا ، وهي تقول كلما رأت واحداً ، وقيل هذا أبوك وهذا أخوك:"ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟"فلما رأته بخير قالت:"كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله"أي هينة يسيرة.
تلك هي القلوب المحبة الصادقة المخلصة والتي كانت كذلك متبعة.
وهذه أم حبيب بنت أبي سفيان يوم جاء أبوها قبل إسلامه ودخل عليها لتكون شفيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نقض قريش لعهدها، طوت عنه فراش النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابنتي أصابك بعدي شر ! أطويته رغبة بي عنه أم رغبة عنه بي ! فقالت:"إنه فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنك مشرك نجس، فطوت عنه فراش رسول الله"
كما ذكر هذا ابن كثير في البداية وابن حجر في الإصابة.
لكن هذا الأمر لم يكن وحده أم لم تكن مشاعر المحبة والتعظيم والإجلال مقتصرة على تلك العواطف لكنها كانت في المواقف الصعبة تظهر لنا صورة الغيورين المدافعين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يفديه بروحه ونفسه في أقل ما يمكن أن يعرض له عليه الصلاة والسلام.
روى الطبري في تفسيره عند قول الله جل وعلا في شأن ما أقسم به أو ذكره المنافقون ورأسهم عبد الله بن أبي بن سلول { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } .
قال: فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول فجاءه فقال: ألا ترى ما يقول أبوك قال: ما يقول يا رسول الله، فأخبره قال: والله يا رسول الله لقد صدق يا رسول الله، إنك والله الأعز وهو الأذل، أما والله إن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لآتينهما به، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، فلما مضى إلى المدينة وقف شاهراً سيفه، وعندما أراد أبوه أن يدخل اعترضه وقال له رضي الله عنه وأرضاه: والله لا يؤويك ظله ولا تأوي إليه - أي إلى بيته- أبداً إلا بإذن من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فصاح أبوه: يا آل الخزرج ابني يمنعني مسكني، يا آل الخزرج ابني يمنعني مسكني ، فجاء إليه وثار إليه رجال يراجعونه قال: حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسعوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأرسل إليه فقال: ائذن له في مسكنه فقال: أما وقد جاء الإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم.
وفي رواية الترمذي قال:"والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز".
هكذا كان الحال مع الابن مع أبيه، لأن مقام ومكان وقدر وعظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس المؤمن أعظم من كل أحد في الوجود حتى وإن كان من أهل الإسلام فضلا عن أن يكون من غير المسلمين.