الفريق الأول: هو صنف ينتفع بالهزات, ينتفع بالمصائب لا يرجع المصائب إلى الظواهر الخارجية, إلى الأسباب الخارجية, بل يرجع المصائب إلى أسبابها الحقيقية فيعرف مكان الداء ومن ثمّ يكون عليه العلاج, مثال هذا الصنف الحي ما قاله الله عز وجل ـ في سورة القلم ـ: إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون [القلم: 17، 18] , جنة كان لها صاحب صالح إذا حان وقت الجذاذ وقت القرّ, وقت القطف ترك المساكين يأخذون حقهم من هذه الجنة فخلفه أبناء لم يقيموا وزنًا للمساكين بل قبضوا على أيديهم فماذا قالوا, قال هؤلاء الذين ابتلاهم الله عز وجل: إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصّرمنها مصبحين ولا يستثنون تقاسموا بينهم, حلف كل واحد منهم أن يذهبوا مبكرين إلى الجنة فيصرمونها ويأخذون قطفها قبل أن يأتي المساكين فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون [القلم: 19] بينما هم في المنام نزلت آفة من السماء فأصبحت الجنة الخضراء بقعة سوداء, وعندما قاموا من نومهم قاموا مسرعين إلى جنتهم فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا وهم يتخافتون [القلم: 21 ـ 23] ـ يتخافتون فيما بينهم والله تعالى يعلم السر وأخفى ـ أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد قادرين فلما رأوها ـ أي فلما رأوا الجنة على تلك الصورة السوداء ـ قالوا إنا لضالون ـ قد أخطأنا الطريق إلى جنتنا ـ بل نحن محرومون .
لما استبانوا الطريق مرة أخرى وعرفوا أنها الجنة التي هي لهم, قالوا ليس الأمر كذلك, لم نضل عن جنتنا بل نحن محرومون من ثمر هذه الجنة, وعندها ـ وهذا هو الشاهد على الصنف الذي ينتفع بالمصائب ـ قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون [القلم: 28] , قال أخيرهم, قال أعدلهم, قال أكثرهم إيمانًا: ألم أقل لكم لولا تسبحون , قال المفسرون: ألم أقل لكم لولا تشكرون نعمة الله عليكم فتعطون المساكين حقهم في هذه الجنة.
ألم أقل لكم ولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ـ أخذ يلوم بعضهم بعضًا على التقصير في حق الله عز وجل ـ قالوا يا ويلينا إنا كنا طاغين عرفوا خطيئتهم فقالوا لقد طغينا وبغينا ولذلك حرمنا الله عز وجل هذه الجنة إنا كنا طاغين عسى ربنا أن يبدلنا خيرًا منها إنا إلى ربنا راغبون احتسبوا كل ذلك عند الله في الآخرة وذكروا أنهم راغبون في الله تعالى, قال عز وجل: كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون [القلم: 33] , وهذا الصنف إذا نزلت البأساء والضراء لا ينقص إيمانه بل يزداد، ما قال الله تعالى عن المؤمنين في سورة الأحزاب: ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا [الأحزاب: 22] , لما رأوا البأساء ـ الجنود التي أتت من كل حدب وصوب, لمّا زلزلت القلوب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وذكر القرآن أن إيمانهم ما نقص بل وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا .
هذا الصنف المبارك, هذا الصنف الخيِّر هو الذي ينتفع بالمصائب فيرجع إلى الله تعالى ويقلب صفحات أعماله فينظر فيها فإذا كان فيها الشر استغفر الله تعالى, وإذا كان فيها الخير استزاد إن هذا هو الذي ينتفع.
الصنف الثاني: الصنف الثاني شيء عجيب, هذا الصنف صنف متشائم عند نزول العذاب, يتشاءم من الصالحين يتشاءم من الذين يبغون الصلاح في الأرض, فهو لا يرد المصائب إلى سيئاته بل يرد البأساء والضراء إلى حسنات الصالحين, وهذا متثمل في قول فرعون كما ذكر تعالى في سورة الأعراف: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون [الأعراف: 130] , أخذهم الله تعالى بالجوع ونقص الزروع بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون لعلهم أن يتذكروا ما هم فيه من الباطل, فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه , وهذا هو الشاهد: هذا بسبب أعمالنا وبسبب تصرفاتنا وحُسن تفكيرنا قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيّروا بموسى ومن معه يتشاءموا من موسى سبحان الله! يتشاءمون من المصلح, قال تعالى: ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون [الأعراف: 131] .
وهذا أيضًا متمثل في قصة أصحاب أنطاكية الذين ذكرهم الله تعالى في سورة (يس) لما أرسل الله تعالى إليهم المرسلين الثلاثة: قالوا إنا تطيرنا بكم [يس: 18] تشاءمنا بكم, نزل علينا الضر, حلت بنا المجاعة وكل ذلك بسببكم, قال المرسلون: قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم [يس: 19] كما قال الله تعالى أيضًا عن قوم صالح: بل أنتم قوم تفتنون [النمل: 47] .