فهرس الكتاب

الصفحة 2246 من 9994

هذا الصنف المتشائم الذي لا يضع الأمور في مواضعها, بدل من أن يتشاءم من ذنوبه يتشاءم من حسنات غيره, هذا الصنف لا ينتفع بالبأساء والضراء, وربما كان هذا الصنف صنفًا مراوغًا في نهاية الأمر, فهو إن نزلت البأساء أبرم العهود والعهود ووعد الناس أن يرجع إلى الله تعالى, وعدهم خيرًا, فإذا ذهبت البأساء والضراء عاد إلى ما كان عليه, نكث العهود والوعد, وهذا متمثل في قوم فرعون كما قال تعالى عنهم: وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد ـ على محاصيلهم ـ والقُّمل ـ في ثيابهم ورؤسهم ـ والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عنك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ـ أبرموا العهد والوعد ـ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون [الأعراف: 132 ـ 135] .

ماذا قال الله تعالى عن هذا الصنف, قال تعالى: يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون [يونس: 22] هذا متاع, أتغترون بهذه الحياة الدنيا, هذا البغي, هذه المراوغة التي تسلكونها إنما هي على أنفسكم, تجرون الويلات عليكم أنتم إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا .

ولذلك فإن موسى عليه السلام جأر إلى ربه تعالى منهم فقال: ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم [يونس: 88] , فأجابه الله تعالى قائلا: قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون [يونس: 89] فهذا موسى عليه السلام طلب أن لا يبتليهم بعد ذلك بالحسنات؛ لأن ابتلاءهم بالحسنات لا يزيدهم إلا غيًا إلى غيهم فلذلك أهلكهم الله, قال عز وجل: فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين [الأعراف: 136] .

فأسأل الله عز وجل أن لا يجعلنا من الغافلين, وأن ينفعنا بالقرآن العظيم إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمد الشاكرين لنعمه وآلائه, وأصلي وأسلم على خير خلق الله الرحمة المهداة محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

فريق ثالث: صنف ثالث أيضًا لا ينتفع بالبأساء والضراء, هذا الصنف هم المنافقون هؤلاء يستوي عندهم الفتنة وعدمها كما قال سبحانه وتعالى في سورة التوبة ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ـ: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانًا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون , فقال سبحانه وتعالى عن موقفهم من المصائب والبلايا: أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون يفتنون كل عام ولا ينتفعون في المصائب والبلايا كما أنهم لا ينتفعون في السراء كما أخبر سبحانه وتعالى عمن طلب المال من المنافقين ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون .

هذه الأصناف من الناس هي التي تظهر حين حلول البأساء والضراء, فإذا أردنا أن نكون من الموفقين من الذين يمدحهم الله تعالى في كتابه ويمدحهم الرسول في سنته لنكن من الصنف الأول, الصنف الذي إذا أنزلت به البأساء والضراء قلبّوا صحائف أعمالهم وعرفوا بأنه ما نزلت مصيبة إلا بذنب ولا رفعت إلا بتوبة.

وعلينا أن نعلم يا إخواني بأن كشف الضراء والبأساء ليس دليلاً على الرضا, وليس دليلاً على القبول, وإنما العبرة في ذلك بما عليه الناس من الأعمال, فإن كانوا على الخير فإن الابتلاء بالضراء يزيدهم خيرًا إلى خير وإن حلول النعماء يزيدهم خيرًا إلى خير, وأما إذا كانت الأعمال كما هي فإن الله سبحانه يقول: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين , وهذا مسطر في سنة النبي وفي سيرته عندما يرى عليه الصلاة والسلام النعمة, لما دخل عليه الصلاة والسلام مكة منتصرًا فاتحًا طأطأ عليه الصلاة والسلام رأسه حتى كادت لحيته تصيب وسط راحلته, دخل متواضعًا, مخبتًا, خاشعًا, فهو يحمد الله تعالى يقول: (( لا إله إلا الله وحده, أنجز وعده, ونصر عبده, وهزم الأحزاب وحده ) )سبحانه وتعالى وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا , فهو يشكر الله تعالى بأن يتواضع له, يشكر الله بأن يعمل الصالحات. هؤلاء هم الذين حُق لهم أن يكونوا من العباد الذين يرثون الأرض بعد أهلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت