وعن محمد بن جحش - - قال: كنا جلوسا عند رسول الله - - فرفع رأسه إلى السماء ثم وضع راحته على جبهته، ثم قال: (( سبحان الله! ماذا نزل من التشديد؟ فسكتنا وفزعنا. فلما كان من العد سألته: يا رسول الله! ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: والذي نفسي بيده، لو أن رجلا قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل، ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه ) )رواه احمد [11] .
وقد امتنع رسول الله من الصلاة على من مات وعليه دين، كما روى سلمة بن الأكوع - - قال: كنا جلوسا عند النبي - - إذا أتي بجنازة، فقالوا: يا رسول الله صلي عليها، قال: (( هل ترك شيئا؟ ) )قالوا: لا، قال: (( فهل عليه دين؟ ) )قالوا: ثلاثة دنانير. قال: (( صلوا على صاحبكم ) )قال أبو قتادة: صلي عليه يا رسول الله وعلي دينه، فصلى عليه )) رواه البخاري [12] .
وفي رواية الحاكم في حديث جابر: فجعل رسول الله إذا لقي أبا قتادة يقول: (( ما صنعت الديناران [13] ؟ حتى كان آخر ذلك أن قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: الآن حين بردت عليه جلده ) ).
قال ابن حجر: وفي هذا الحديث أشعار لصعوبة أمر الدين وأنه لا ينبغي تحمله إلا من ضرورة.
وفي المسند أن النبي - - قال: (( إن صاحبكم محبوس عن الجنة بدينه ) ) [14] . وعن أبي هريرة - - أن النبي - - قال: (( نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه ) ) [15] .
ومن الأحاديث الدالة على خطورة الدين وشدته:
ما رواه أبو داود [16] . عن أبي موسى الأشعري - - عن رسول الله - - أنه قال: (( إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء ) ).
فهذه الأحاديث العظيمة القاطعة بعظم ذنب من مات وعليه دين كفيلة بردع كل قلب يشم رائحة الإيمان، ومحذرة كل التحذير أن يأخذ المسلم مال أخيه لا يريد أداءه، روى أبو هريرة - - أن النبي - - قال: (( من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ) ) [17] .
وكيف تسمح للإنسان نفسه أن يجحد سلف أخيه، أو يماطله في ذلك، والمقرض فعل ذلك إحسانا وقربه، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60] .
يقول النبي -: (( إنما جزاء السلف الحمد والأداء ) )رواه النسائي [18] .
وقال -: (( خيار الناس أحسنهم قضاء ) )متفق عليه [19] .
وكان رسول الله - - يقضي الدائن بأكثر مما استدان منه، ويضاعف له الوفاء، ويدعو له، كما قال جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما: كان لي على النبي - - دين، فقضاني وزادني [20] .
وقال عبد الله بن أبي ربيعة: استقرض مني النبي - - أربعين ألفا، فجاءه مال، فدفعه إلي، وقال: (( بارك الله تعالى في أهلك ومالك ) )رواه النسائي [21] .
فهذا هدى رسول الله - - في قضاء الدين. ولنا فيه أسوة حسنة كما قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر [الأحزاب:21] .
وأين نحن من ذلكم الرجل الذي قص لنا رسول الله - - خبره، عن أبي هريرة - - عن رسول الله -: (( أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: أئتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا، قال فأتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم ألتمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله، لم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي أسلفه، ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا الخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار، فقال: والله مازلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي آتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدا ) )رواه البخاري [22] .
ما أعظمها من قصة جمعت بين الإحسان، وحسن الأداء، والأمانة والرضا بالله شهيدا وكفيلا.
فاقصص القصص لعلهم يتفكرون [الأعراف:176] .