فهرس الكتاب

الصفحة 2361 من 9994

لهذا قيل في شأنها: «الدنيا إذا حلت أوحلت، وإذا كست أوكست، وإذا جلت أوجلت، وإذا دنت أودنت» (4) وصدق الله العظيم حين قال: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} [الحديد: 20] .

وصدق رسوله المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظرْ بِمَ يرجع؟» (5) .

وهذا لا يعني أن الإنسان يجب أن يزهد في الدنيا، ويتفرغ للرهبانية التي حذر منها الشرع الحنيف، بل عليه أن يعرف أن الدنيا خُلقت له وليس هو من خُلق لها، وبين الأمرين فرق كبير وبون شاسع.

فما الفرق بيننا وبين باقي الكائنات إن لم نعبد الله؟

نتشابه كلية مع باقي الكائنات فيما يفعلون؛ حيث نأكل ونشرب وننام وننكح، وكذلك يفعلون.

ولكننا نتميز عنهم بعبادة الله كما شرع، وسنحاسَب كما أخبر، مع العلم أن الكون والخلائق كلها تسبِّح الله وتطيعه كما قال ـ تعالى ـ: {وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .

والفرق الذي بيننا وبينها أنها غير مكلفة بشريعة وغير محاسَبة عليها؛ إذ لم يُبْعَثْ لها أنبياء ورسل، بل هذا مما تميز به الإنسان؛ فكيف لا نتميز؟ بل كيف نرضى لأنفسنا أن نتشابه مع باقي مخلوقاته، والله أمرنا أن نتميز حتى لا نكون مثلهم: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ} [الأعراف: 179] ؟

فالتفريط في هذه المقاصد والغفلة عنها هو الذي أوقع الأمة في براثن وحبائل التفريط في جنب الله.

وكثرة غفلة الغافلين هي التي دفعت العديد من الأفراد إلى الإفراط في جنب الله، فوقع المسلمون بين غلو المتشددين، وتقصير الغافلين، وهذا حال الأمة؛ مع أن القرآن الكريم علمنا كيف نستجيب للدنيا وكيف نستجيب للآخرة ونعيمها، وكيف نستجيب لله، ولكل نداؤه الخاص؛ حيث وردت في عباراته ثلاثة نداءات متفاوتة فيما بينها وفي طريقة الاستجابة لها والتعامل معها وهي كلها تخدم فوز ونجاح الإنسان في الدنيا والآخرة.

ـ النداء الأول: من أجل الدنيا قال ـ تعالى ـ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15]

والمؤمن الكيِّس الفَطِن مطالَب بالانتباه إلى لغة القرآن؛ ففي طلب الدنيا لا يتجاوز المشي «فامشوا» أي بتؤدة وببطء وتمهل وتعقل، وهو أمر فُسِّر في القرآن تفسيراً وبُيِّن تبييناً؛ حيث يقول الله ـ تعالى ـ في كتابه الكريم في وصية لقمان لابنه: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان: 18 - 19] . ووصية الله للإنسان في قوله: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً } [الإسراء: 37] . وحدد صفة مشي عباد الرحمن: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] .

فالناظر في آيات القرآن يتبين له كيف أعطى المولى ـ عز وجل ـ للمشي اعتباراً فريداً؛ لأنه ـ بكل اختصار ـ يعبر عن شخصية الإنسان؛ فالمسلم النبيه هو من يمشي ليِّناً هيِّناً بسكينة ووقار دون تجبر ولا استكبار ودون استعلاء على أحد أو انتفاخ، أي: يمشي مشية من يعلم أنه خُلق من الأرض وسيعود فيها {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] .

فمشية المسلم في الدنيا وفي طلبها هي مشيه في الحلال طلباً وأخذاً وعطاءً وسلوكاً، لا يظلم أحداً، ولا يتكبر على أحد، متواضعاً، كما قال الشاعر:

ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً فكم تحتها قوم همو منك أرفعُ

وإن كنت في عز وجاه ومنعة فكم مات من قوم همو منك أمنعُ (1)

ـ النداء الثاني: من أجل الجنة والمغفرة، وفي ذلك يقول ـ تعالى ـ: {وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 133 - 136] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت