فهرس الكتاب

الصفحة 2362 من 9994

ويكفي تمجيد الله لهذا العمل قوله: {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 133 - 136] فالمسلم في طلبه للجنة عليه أن يسرع المشي والخطى ويتعجل السير ولا يترك الفرصة لتجاوزه، وهو ما أكده القرآن الكريم بقوله في آية أخرى: {سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21]

والسباق يعني المبادرة إلى ما يوجب المغفرة؛ وما يوجب المغفرة هو العمل بالطاعات، وهو ما يعنيه قوله ـ تعالى ـ: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] .

وقد حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على المبادرة والإسراع فيما ينفع المؤمن قبل الوقوع في أسر الفتن فقال: «بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا» (2) .

وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة» (3) .

وليس كما هو حاصل اليوم في زمننا، الكل يسرع ويلهث ويجري وراء الدنيا وزخارفها وليته يصل إلى مراده، بل الكل ينام وفي ذهنه أنه لَمَّا يتم عمله، وينام تعباً وهو يخطط لعمل الغد وكيفية إنهائه.

فمتى يميز المسلم بين ما يجب الإسراع فيه وما يجب فيه التأني؟

ـ النداء الثالث: نداء الفرار إلى الله؛ حيث يقول ـ سبحانه ـ: {فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات: 50] .

«ففروا» طلباً لله، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فالفرار إلى الله فرار من معصيته، فرار من غضبه، فرار من الإشراك به. وهو هنا شجاعة؛ لأن الفار يفر من أعداء يبعدونه عن الله وعن رضوانه، ونجاة من الجحيم وطلباً للنعيم المقيم.

وقد بوَّب البخاري ـ رحمه الله ـ أحد أبواب صحيحه في كتاب الإيمان، فقال: «باب: من الدين الفرار من الفتن» (4) .

وما أكثر الفتن في زمننا؛ حيث المؤمن فيه يقبض على دينه ويصبر على فتنه «كالقابض على الجمر» (5) .

مفتون أينما حل وارتحل، ولعل من أخطر الفتن التي تُحدِق بالمسلم فتنة الأموال وفتنة الأولاد وهو ما أكده القرآن بقوله: {إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] .

بل إن الرسول الحبيب -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر أن الأمة ستعيش فتناً يشيب لها الولدان؛ حيث قال: «ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرَّف لها تتشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليَعُذْ به» (1) .

ولكن الواقع يشهد أن الأمة أصبحت تعيش تناقضاً مع لغة القرآن ومع فهم مفرداته، فأصبح السير إلى الدنيا سريعاً، وإلى الآخرة وئيداً، والفرار من الله بدل الفرار إليه.

فهل إلى رجوع من سبيل! وهل إلى توبة لتصحيح المسار وتصحيح الخطوات إن شئنا النجاة وتحقيق الفوز والدرجات في الدنيا والدين!

2 ـ عدم الفقه السديد في الدين، وهو أصل كل بلية:

في اعتقاد بعض الناس أنهم إذا أدوا بعض أشكال التدين فقد نجوا وسَلِموا؛ وهذا فهم تجزيئي للإسلام؛ حيث يقتصر بعض الناس في تدينهم على بعض الأمور ويترك الأمور الأخرى، وهذا يؤدي أيضاً إلى التفريط والغفلة؛ فالدين شامل كامل لقول الله ـ تعالى ـ: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] .

فليس الدين في العبادات فقط، أو في المعاملات، أو في السلوك والأخلاق، أو في الأعمال الاجتماعية، أو السياسية أو الاقتصادية، بل يشمل كل هذا.

ومع الأسف أن هذا ما حصل للكثير من الناس، حيث جزَّؤوا الدين، وأخذ كل واحد منهم ما يعتقد أنه الصواب والصالح له؛ فمنهم من فهم حديثاً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهماً سيئاً وبنى عليه حياته ومصيره، كفهمهم لحديث السائل عن الإسلام، والذي يقول فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجيباً لرجل من أهل نجد جاء ثائر الرأس يُسمَع دوي صوته ولا يُفقَه ما يقول: «خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: وهل عليَّ غيرها؟ قال: لا؛ إلا أن تطوَّع، قال رسول الله: وصيام رمضان، فقال: وهل عليَّ غيرها؟ قال: لا؛ إلا أن تطَّوَّع، قال: وإخراج الزكاة، قال: وهل عليَّ غيرها؟ قال: لا؛ إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: واللهِ لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أفلح إن صدق» (2) .

فأخذ كثير من الناس بعض ألفاظ الحديث، مثل: واللهِ لا أزيد ولا أنقص، ومثل: أفلح إن صدق، ونسوا مقاصد وروح ما ذكر في الحديث؛ فالصلاة تؤدى؟ نعم! ولكن إن لم تؤدَّ على حقيقتها لم تؤثر في الإنسان ولم يحصل له الفلاح، والزكاة تؤدى؟ نعم! ولكن من أي المال؟ والصوم يؤدى؟ نعم! ولكن كيف يؤدى؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت