فهرس الكتاب

الصفحة 2363 من 9994

فكثير من الناس ليس لهم من صلاتهم إلا وقوفهم وجلوسهم، وليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر...» (3) .

لهذا وجب عدم التغافل عن مقاصد العبادات وروحها حتى تؤدى كما يجب وتؤدي ثمارها كما ينبغي، كما لا يجب التغافل عن إتيانها والقيام بها بل والاجتهاد فيها؛ لأنها تدفع الغفلة والتغافل؛ حيث أخبر -صلى الله عليه وسلم-: بأن «من قام بعشر آيات لم يُكتَب من الغافلين» (4) .

بل إن التشبت بالفريضة والحرص عليها يطرد الغفلة ويشجع على الحرص على السنة كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن لكل عمل شِرَّة، ولكل شرة فترة، فإذا كانت الفترة إلى الغفلة فهي الهلكة، وإذا كانت الغفلة إلى الفريضة لا يضر صاحبها شيئاً» (5) . وقد سأل عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ ابنه الحسن يوماً عن الغفلة فقال له: «الغفلة تركك المسجد، وطاعتك المفسد» (6) .

ومن الناس من يقول لك: أنا لا أغتاب الناس ولا أكذب عليهم، ولا أغشهم ولا أفعل ولا أفعل، ويوجه سهمه للآخرين فيقول: انظروا إلى ذاك المصلي الكذاب الغشاش؛ فكيف أصلي؟

ويقول أيضاًً: أنا لا أصلي ولكن لا أقوم بمثل أعمال أولئك الحجاج والمصلين الذين ينافقون الناس بتقدمهم إلى الصفوف الأمامية، ويخادعون الناس في معاملاتهم، بل في سلوكهم.

وهذه دعوى باطلة ولو كان الناس يعتقدون في الإسلام وفي قواعده وضوابطه بما يشاهدونه من أفعال المسلمين لما أسلم إلا القلة، وخصوصاً إذا كان المنظور إليهم من أهل القدوة والصلاح؛ حيث يتخذونهم قدوة لهم في التراجع عن الخير فيقعون في سوء الفهم والتأويل والتغافل، ونسوا أو تغافلوا أن الله يقول: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] . ويقول ـ سبحانه ـ: {وَكُلَّ إنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13] .

ومن الناس من يأخذ من الدين العملَ الاجتماعي، فتجده يشارك في الأعمال الخيرية وكفالة اليتيم وإعانة الفقراء والمساكين، ولكن مقابل ذلك لا يصلي ولا يصوم ولا يراقب ربه في باقي أشكال التدين؛ حيث يغفل عن ذلك معتقداً أنه قد حصَّل المراد، وأنه بفعله ذاك قد نال المبتغى، وهذا تلبيس من إبليس الذي يزين للناس ما هم فيه، ويبعدهم عن حقيقة العمل المطلوب، ويبني على ذلك نمط إسلامه الذي يختزله في المعاملات مع الناس، وينسى باقي أركان الإسلام وضوابطه وقواعده، وأن ما هو فيه من الدين ولكن ليس كل الدين. ويكفي أن نقول إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أول ما يحاسَب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة؛ فإن أتمها؛ وإلا قيل: انظروا هل له من تطوُّع؟ فإن كان له تطوع أُكملت الفريضة من تطوعه، ثم يُفعَل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» (1) .

ومن الناس من يلجأ إلى العمل السياسي، ويعطيه كل وقته وجهده وعاطفته وماله، معتقداً أنه يقدم للناس في ذلك خدمات جلى، وأنه يسير في المسار الصحيح لا ينقصه شيء، ولا يعوزه عمل آخر، وهذا من التفريط وسوء الفهم مع الأسف الشديد.

إن الواقع الأليم لينبئ عن كل هذه الأفهام والسلوكات، مما سهَّل على إبليس عملَه، وأسقط الناس تباعاً في حبائله وغواياته، ونسوا جميعاً أن الشرع الحنيف حذر من تجزيء الدين والتفريط في بعض أسسه، حيث قال ـ سبحانه ـ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] .

3 ـ عدم إدراك قيمة النعم وقدر المنعم:

وكل هذا سببه نسيان المنعم الحقيقي الذي يجب له حق الشكر والحمد على ما أعطى ووهب؛ فكل النعم من الله؛ فهو المعطي المانع، الواهب الصانع؛ فكيف يعطي ويُشكَر غيره، وكيف يهب ويُقصَد غيره؟

فالشكر يديم النعم ويزيدها ويقويها، وعدم الشكر يزيلها ويضيعها، وربنا يقول: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] .

ولقد آتى الله ـ عز وجل ـ نبيه سليمان ـ عليه السلام ـ ما لم يؤت أحداً من العالمين، حيث قال: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . [ص: 36 - 39]

فلم يعتبر سليمان ـ عليه السلام ـ ذلك نعمة يركن إليها، بل خاف أن يكون ما وهبه الله له من النعم استدراجاً من حيث لا يعلم، فقال ـ سبحانه ـ مخبراً عنه: {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40] .

إن إدراك حقيقة المنعم وقدره وعظمته مما يشجع الناس على الانتباه والتيقظ، ويدفعهم إلى استغلال أوقاتهم وأفعالهم فيما يرضي الذي {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} [البقرة: 255] والذي وصف نفسه بـ: {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت