فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
متى تكون التمائم شركاً أكبرَ، ومتى تكون شركاً أصغرَ؟
التمائم الشركية تختلف حسب الأحوال وحسب المعلق لها فقد تكون شركا أكبر وقد تكون شركا أصغر، فالذي يعلق شيئا ويعبده من دون الله فهذا يكون شركا أكبرَ، أما إذا اعتقد أنها سبب للسلامة من العين فهذا من الشرك الأصغر.
الأسباب إما شرعية وإما طبيعية:
والأسباب إما أن تكون شرعية أو تكون طبيعية. فالسبب الشرعي ما جعله الله سبباً في الشرع بنص آية أو حديث كمثل الدعاء والرقية الشرعية فإنهما سبب شرعي لجلب الخير للعبد أو لدفع الشر عنه بإذن الله تعالى، فالمباشر لهذه الأسباب إنما لجأ إلى الله الذي أمر بها وبيَّن أنها أسباب، والاعتماد على الله لا عليها؛ لأنه هو سبحانه الذي جعلها أسباباً وهو القادر على تعطيل تأثيرها، فيكون الاعتماد أولاً وأخيراً عليه سبحانه وتعالى.
وأما السبب الطبيعي فهو ما كان بينه وبين تأثيره مناسبة واضحة يدركها الناس في الواقع المحسوس أو المعقول مثل أن شرب الماء سبب لإزالة العطش، والتدثر بالملابس سبب لإزالة البرد، ومثل الأدوية المصنوعة من مواد معينة تؤثر على الجراثيم المسببة للمرض فتقتلها.9
علاقة الأسباب بالتمائم:
إن التميمة جماد لا تأثير له ولا علاقة له بالشفاء، فعلى هذا فإن المعلق لها جعلها سببا شرعياً، وضابط السبب الشرعي أن يثبت بالدليل وهذه التميمة لم يثبت دليل على أنها سبب شرعي.
حكم التمائم إذا كانت من القرآن أو من الأدعية النبوية:
التمائم التي من الآيات القرآنية هي على أشكال مختلفة منها ما يكتب في أوراق، ثم تحاط بجلد صغير، ومنها مصاحف تطبع بحجم صغير جداً أحياناً تعلق في الرقبة، ومن الناس من يحملها معه بدون تعليق، ومنها كتابة بعض الآيات القرآنية في قطع ذهبية، أو فضية، أو غيرهما، وغالباً ما تعلق في أعناق الصبيان، وعلى السيارات، وغير ذلك من الصور المختلفة.
وهذا النوع من التمائم التي ليس فيها إلا قرآن قد اختلف العلماء في تعليقه، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه وإليك أقوالهم:
القول الأول:
وهم القائلون بمنع التعليق لهذه التمائم واستدلوا بما يلي:
1-عموم النهي الوارد في تحريم التمائم ولم يأت ما يخصص هذا العموم. والقاعدة الأصولية تقول: إن العام يبقى على عمومه حتى يرد دليلٌ بالتخصيص. قال -صلى الله عليه وسلم-: (من علق تميمة فقد أشرك) .10 وقال: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) .11 قالوا: فهذه الأحاديث دلت بعمومها على منع التعليق مطلقاً، ولم يرد ما يخصص التمائم التي من القرآن، أو غيره فالواجب حملها على عومها.
2-لو كان هذا العمل مشروعاً لبينه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأمته إذ البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة، والمتتبع للسنة يرى أن جميع الأحاديث الواردة في الأذكار، والدعوات وردت بلفظ من قال: كذا، أو من قرأ كذا ولم يرد في حديث واحد من كتب كذا أو علق كذا.
وفي ذلك قال ابن العربي: وتعليق القرآن ليس من السنة، وإنما السنة فيه الذكر دون التعليق.
3-سد الذرائع، وهذا أمر عظيم في الشريعة، ومعلوم أنا إذا قلنا بجواز تعليق التمائم التي من الآيات القرآنية، والدعوات النبوية انفتح باب الشرك، واشتبهت التميمة الجائزة بالممنوعة، وتعذر التمييز بينهما إلا بمشقة عظيمة، ولاستغل هذا الباب دعاة الضلال والخرافات، وأيضاً فإن هذه التمائم تعرض القرآن للنجاسات، والأماكن التي يجب أن ينزه القرآن عنها، ومن علقه يتعذر عليه المحافظة على ذلك خاصة عندما يعلق على الأطفال.
القول الثاني:
وهم القائلون بالجواز، واستدلوا بما يلي:
1-بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من تعلق شيئا أكل عليه أو إليه) .12
وجه الدلالة: أن من علق التمائم الشركية وكل إليها، ومن علق القرآن تولاه الله ولا يكله إلى غيره لأنه -تعالى- هو المرغوب إليه والمتوكل عليه في الاستشفاء بالقرآن.
وأجيب عن ذلك: صحيح أن المرغوب إليه والمتوكل عليه في الاستشفاء بالقرآن هو الله - عز وجل - ولكن يكون ذلك حسب ما ورد في الشرع والذي ورد هو الاستشفاء به عن طريق الرقى لا التعليق له، وترجع الاستعاذة بالقرآن إلى الاستعاذة بالله حين يتلوه المسلم حق تلاوته فيؤمن به ويتبعه وينفذ شرائعه فيحصل له بذلك العافية الحقيقية والأمن والسلام، ولا يكون ذلك بتعليق ورقه وجلده.
ولو كان من تعلق القرآن وكل إليه لكفانا إذا أن نتعلق بالقرآن، وما جاء من أذكار الصباح والمساء، ولا داعي لقراءته وقراءة تلك الأذكار، وفي ذلك تعطيل لما ثبت في السنة من الرقى ثبوتاً صحيحاً بشيء لم يثبت أصلاً. ونجد أن من تعلق القرآن طالما التفت قلبه عن الله، فلو نزعت تلك التميمة التي عليه لتغير وخاف من حصول المكاره والأخطار، فلو كان قلبه متعلق بالله لكان واثقاً بالله تمام الثقة، ولم يلجأ إلى شيء لم ترد السنة به، فهو لم يتعلق بالقرآن حقيقة، وإنما تعلق بتلك الأوراق وما عليها من الجلود.