يقول النووي رحمه الله عند شرحه للحديث القدسي: (( أنا عند ظن عبدي بي ) ):"التوبة من جميع المعاصي واجبة، وإنها واجبة على الفور، لا يجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، ووجوبها عند أهل السنة بالشرع".
ويعلل الغزالي لوجوب التوبة من جميع الذنوب فيقول:"وأما بيان وجوبها على الدوام وفي كل حال فهو أن كل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه، إذ لم يخل عنه الأنبياء، كما ورد في القرآن والأخبار من خطايا الأنبياء وتوبتهم وبكائهم على خطاياهم، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح، فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، فإن خلا في بعض الأحوال عن الهمّ فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة، فإن خلا عنه فلا يخلو من غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص وله أسباب، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده".
أما شروط قبول التوبة:
فباب التوبة مفتوح على مصراعيه دائماً لكل من أراد الدخول فيه بعد أن استيقظ قلبه وقويت عزيمته على هجر المعاصي والذنوب.
قال سيد قطب:"باب التوبة دائماً مفتوح يدخل منه كل من استيقظ ضميره وأراد العودة والمآب، لا يصد عنه قاصد ولا يغلق في وجه لاجئ، أياً كان وأياً ما ارتكب من الآثام".
وعلى ضوء ما ذكر في تعريف التوبة يمكن أن نقسم شروط قبول التوبة إلى قسمين:
الأول: شروط تتعلق بترك الذنب.
الثاني: شروط تتعلق بزمن قبول التوبة.
أولاً: الشروط التي تتعلق بترك الذنب:
الشرط الأول: الإسلام:
التوبة لا تصح إلا من مسلم، أما الكافر فإن توبته تعني دخوله الإسلام، قال القرطبي:"اعلم أن التوبة إما من الكفر وإما من الذنب، فتوبة الكافر مقبولة قطعاً، وتوبة العاصي مقبولة بالوعد الصادق".
قال الله عز وجل: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء:18] .
والمراد من الآية نفي وقوع التوبة الصحيحة من المشركين، وأنه ليس من شأنها أن تكون لهم فقوله: {وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} أي: لا توبة لأولئك ولا لهؤلاء.
وقال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذالِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً} [النساء:116] .
قال سيد قطب:"ولا غفران لذنب الشرك متى مات صاحبه عليه.. بينما باب التوبة مفتوح لكل ذنب سواه عندما يشاء الله، والسبب في تعظيم جريمة الشرك وخروجها من دائرة المغفرة أن من يشرك بالله يخرج عن حدود الخير والصلاح تماماً، وتفسد كل فطرته بحيث لا تصلح أبداً".
وقال سبحانه وتعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاةَ وَءاتَوُاْ الزكاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَنُفَصّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة:11] .
الشرط الثاني: الإخلاص:
إن التائب من المعاصي لا تصح توبته إلا بالإخلاص، فمن ترك ذنباً من الذنوب لغير الله تعالى، كالخوف من الفضيحة أو تعيير الناس له أو عَجَزَ عن اقترافه أو خاف من فوات مصحلة أو منفعة قد تضيع بالاستمرار على تلك المعصية. مثال ذلك من تاب عن أخذ الرشوة لا خوفاً من الله واللعن، ولكن لتوليه منصباً اجتماعياً لا يسمح له بأخذها، فإن توبته وتوبة من تقدم تكون مردودة باتفاق أهل العلم.
وقال الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا} [الكهف:110] .
يقول الشنقيطي في قوله: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا} :"أعم من الرياء وغيره، أي: لا يعبد ربه رياء وسمعة ولا يصرف شيئاً من حقوق خالقه لأحد من خلقه لأن الله يقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] إلى غير ذلك من الآيات، ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة أن الذي يشرك أحداً بعبادة ربه، ولا يعمل صالحاً أنه لا يرجو لقاء ربه، والذي لا يرجو لقاء ربه لا خير له عند الله".
والتوبة من الأعمال الصالحة التي يجب فيها الإخلاص حتى تقبل عند الله عز وجل كسائر العبادات والقربات. والآيات والأحاديث في ذلك معروفة مشهورة.
الشرط الثالث: الاعتراف بالذنب:
إن التوبة لا تكون إلا عند ذنب، وهذا يعني علم التائب ومعرفته لذنوبه، وجهل التائب بذنوبه ينافي الهدى؛ لذلك لا تصح توبته إلا بعد معرفته للذنب والاعتراف به وطلبه التخلص من ضرره وعواقبه الوخيمة.